و الجانب الثالث يتمثل في أن التطور العلمي المُذهل الذي حققه الإنسان في العصر الحديث و المعاصر، لم يُمكّن الكفار من الرد على تحدي القرآن لهم إلى يومنا هذا، و لم يجدوا إلى ذلك سبيلا، و لم يجدوا فيه خطأ علميا واحدا. فثبت بذلك عجزهم، و صدق فيهم قوله تعالى: (( وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ) )-البقرة:23 - 24 - .
فالعلم الحديث هو الذي أظهر تلك الجوانب من المعجزة القرآنية، و قد أظهرها في أبهى صورة، و قد زادها قوة و إعجازا و إفحاما كون النبي محمد- عليه الصلاة و السلام- الذي جاء بها كان أميا لا يعرف القراءة و لا الكتابة. الأمر الذي يُثبت أن الاحتجاج بعدم معرفة رسول الله للقراءة و الكتابة على صدق المعجزة القرآنية، هو احتجاج صحيح، و ما يزال قائما بقوة و فاعلية إلى يومنا هذا. خلاف ما أراد الجابري أن يُوهمنا به، عندما حاول تغليطنا بذلك الزعم الباطل.
و أما تعجّبه من كيف تكون عدم معرفة النبي للقراءة و الكتابة دليلا على المعجزة القرآنية؟!، فإن العجب هنا من ثلاثة أمور، أولها أن القرآن كتاب فريد من نوعه في العالم كله، و قد تحدي الإنس و الجن معا، و لم يرد على تحديه إنس و لا جان. و الثاني إن هذا الكتاب المعجز جاء به إنسان أمي لا يعرف القراءة و لا الكتابة، و هذا أمر لا مثيل له في العالم بأسره. و العجب الثالث هو من الجابري نفسه، فكيف سمح لنفسه بأن يُغالط و يعكس الاستدلال الذي هو ضده، و يجعله لصالحه؟!. و بيان ذلك أن الذي لاشك فيه هو أن العالِم إذا جاء بنظرية علمية، أو اكتشف حقيقة علمية، فهذا في حقه أمر عادي للغاية، و مُتوقع حدوثه من و من غيرها من أهل العلم. لكن العجب كل العجب هو أن يأتي إنسان أمي لا يقرأ و لا يكتب، بكتاب مُعجز في مختلف مجالات العلوم، و يتحدى به الإنس و الجن مُنذ أكثر من 14 قرنا، و لا احد يُبطل تحديه إلى يومنا هذا!!. أليس عدم معرفة القراءة و الكتابة هي من الأدلة الدامغة على صحة النبوة المحمدية و المعجزة القرآنية؟. إنه لعجب كبير من الجابري لماذا يُصر على تقزيم المعجزة القرآنية، بذلك الاستدلال المعكوس؟.
و أما المثال الثالث - من تقزيم الجابري لمعجزة القرآن-، فمفادها انه زعم أن المعجزة القرآنية زمن النبي-عليه الصلاة و السلام- كانت مُتمثلة في الجانب اللغوي، فلما اتسعت رقعة الإسلام، و دخلت فيه شعوب كثيرة، و ظهرت فرق مناهضة للإسلام من أتباع الأديان الأخرى كالمانوية، أصبح من الضروري على علماء