فكان قاضي الدولة, فكتب له, ثم لما مات مصعب, مصعب إبن عمران القاضي, إستشار الأمير الحكم, من يولي القضاء, فأجمع له فقهاءه ووزراءه وعلماء الأندلس أجمعوا أن يلي القضاء محمد بن بشير, وكانت سمعته في الأندلس حسنة, فقد كان يحيى بن يحيى وسبق أن ترجمت يحيى بن يحيى الليثي, راوي الموطأ الإمام الكبير. كان يثني عليه ثناء عطر في حياته وبعد وفاته.
حتى أنه قيل ليحيى مرة لو لبست العمامة لإتبعك عليها الناس, قال هي لباس أهل المشرق وكان أمرهم عليها منذ قديم الزمان.
قال إلبسها وسيتبعك الناس عليها قال لو تبعوا محمد بن بشير لإتبعوني, محمد بن بشير كان يلبس قلانس الخز, القلنس هو مثل الطاقية عندنا اليوم, يلبس قلانس الخز ولم يتبع أحد بهذا وهو من خيار المسلمين, يعني يقصد يقول لو لبست عمامة لن يتبعني الناس كما لم يتبعوا محمد بن بشير وكان أحسن مني وأفضل, هكذا بلغت درجة ثناء يحيى بن يحيى عليه ويحيى بن يحيى هو من هو رحمه الله تعالى.
ولم يلي القضاء في الأندلس مثل محمد بن سعيد بن بشير رحمه الله تعالى أبد في صلابته في الحق ومضاءه وقوته.
لما أشار على الحكم وزراءه وفقهاءه ومقربون بمحمد بن بشير حمل من باجة محمد بن بشير إلى قرطبة, ليقابل الحكم ويعرف عليه الأمر, لا يدري محمد بن بشير القضية, حمل حملا إلى الحكم الأمير للأندلس في الطريق كان لديه صديق عابد عاقل نزل إليه كلمه قال إن هذا الأمير يردني ولا أدري في ما, قال فإنه يريد أن يوليك القضاء, فإن مصعب بن عمران قد مات وأنت كنت كاتبه وكان هذا محمد بن سعيد بن بشير كاتب عند مصعب بن عمران.
وهنالك تمرس بالقضاء وأحوال القضاء, قال فإذا قلت ما قلت فماذا تقول لي, ماذا تنصحني, إسمعوا ماذا قال له هذا الرجل العاقل.
قال له كيف حبك, إسمعوا أيها القضاه, ونتعجب بقاض في بلاد المسلمين يقضي بغير ما أنزل الله وإنا لله وإنا إليه لراجعون.
أكثر قضاة المسلمين يقضون بغير ما أنزل الله, بالقانون الفرنسي والقانون الإنكليزي والقانون السويسري, وهذه نكبة من أشد النكبات على المسلمين.
والقاضي الذي يفعل هذا على خطر عظيم وعظيم جدا, ويوشك أن يحكم عليه بالردّة والخروج من الملّة.
لكن استستهل الناس عليهم هذا في دار الإسلام, أكثر ديار الإسلام تحكم بغير ما أنزل الله, وإنا لله وإنا إليه راجعون.
إسمعوا ماذا قال له, هنالك من القضاة من يرشى وهنالك من القضاة من يظلم وهنالك من القضاة من يسير في مراد الحاكم وشهوته ومراداته, قال له كيف حبك للطيب من الطعام واللين من اللباس والفاره من المركوب, المركوب الفاره مثل السيارة الجميلة الحسنة اليوم.
الدابة الحسنة, قال والله ما أبلاي ما ردتت به جوعي وما سترت به عورتي وما حملت به رجلاي, ما أبلاي في هذه القضايا.
قال هذه واحدة, قال كيف حبك للوجوه الحسان وما شبه ذلك من الشهوات, يعني كيف حبك للنساء والمردان من الصبيان والغلمان, هل تتأثر هل كذا, قال والله هذه حالة ما إستشرفت لها نفسي قد وما خطرت ببالي أبدا
عجيب هذا القاضي, عجيب هذا القاضي, حتى حب النساء وشهواته, قال هذه حالة ما إستشرفت لها نفسي من قبل وما خطرت ببالي قط.
قال هذه ثانية, قال كيف حبك, إسمعوا, كيف حبك لثناء الناس عليك وإنزعاجك من إساءتهم لك, وكيف تعلقك بالولاية والعزل.
اسمعوا, كيف حبك للثناء والإساءة, وكيف تعلقك بالولاية والعزل, قال أما والله في الحق لا يهمني من أثنى علي أو أساء لي وأما في الولاية فلا يسوءني إن عزلت ولا يسرني إن وليت.
هذا رجل كأنه ملاك, لا إله إلا الله, يعني هذه الصفات لا تشتجمع إلا في ملك, لا يلتفت إلى النساء الوجوه الحسان, ولا إلى المرد من الصبيان ولا يلتفت إلى اللين من الثياب ولا إلى الجميل من الطعام, ولا إلى الفاره من المركوب ولا يهمه ثناء الناس وسخطهم عليه ولا يتعلق بالولاية ولا يسر إن جاءت ولا يغضب إن عزل.
هذا, ما هذا الإنسان وأين نجد مثله هذا, هذا كأنه ملاك طاهر, لا إله إلا الله, فقال له, هذه ثالثة, إن كنت كذلك فلا يهمك إن وليت القضاء فإذهب إلى الحكم وإن عرض عليك القضاء فإقبله, طبعا شخص مثل هذا لا بد أن يقبل هذه صفات عجيبة في الإنسان, فلما ذهب إليه وولي القضاء فعلا, وصل, جاءت إليه حالة في قضية من القضايا, فأحد الخاصة, قصرت يده عنهم, يده قصرت عنه ما إستطاع أن يحاسبه, ما إستطاع أن يقيم الحق عليه, فحلف بطلاق إمرأته ثلاث وعتق جميع ممالكه وصدقة جميع ماله على المساكين إن حكم بين إثنين بعد ذلك, يعني بتّ المسألة, إمرأته طالق ثلاث, وجميع مماليكه يعتقون, وجميع أمواله تكون صدقة على المساكين, إن حكم بين إثنين بعد ذلك.
فهذا يعني لايمكن أن يرجع, طلبه الحكم مرّة أخرى, إلى القضاء, قال كيف أصنع وقد قلت كذا وكذا, قال أما النساء فأخرج له جارية من جواريه, عادة جواري الأمير يكنّ في منتهى الجمال, أخرج له جارية من جواريه وأعطاه إياها.