فهرس الكتاب
الحلم، ولما وصل إلي خبرك، وفهم أذني سر أمرك، أصابني الهم والغم، وكاد أن يقف مني جري الدم، فعزمتُ أن أردّ على كذبك، وأبين للناس عيوب مذهبك، فهنالك قال لي زعيم الدين الذي هو إمامهم، إن من شروط الرد على هذا الغلام، والميل إليه بالملام، هو أن تكون من الراسخين في العلم، وقوي في صنع الكلمات بالقلم، وإنك لا تعلم لغة العربية، ولا تعرف علوم الأدبية، وإني سأكون بجانبك في كل المهمات، وسأفتح لك كتب الأمهات، لتبدأ تأخذ الدرس للتعليم، وتميل إلى كتب الفقه للتفهيم.
-فعند ذلك اشتكيت منه كثرة عدد السنين، وعلمته أن الله أخذ بآل فرعون القحط والسنين، وإني خوفا من الأخذ بالسنين والقحط، وحلول علي الغضب والسخط، أعطيك اعتذاري، ثم قمت بنية الذهاب ولففتُ إزاري، فمسك بطرف إزاري وتلا علي قوله (ص) (أطلب العلم من المهد إلى اللحد)
ثم فعل لي كما وعد، وكأنه سحاب فأمطر على شبه الذي رعد، فبدل علم السياسة بعلم البلاغة، وغيرت الجولان بين العواصم، إلى مراجعة الكتب والمعاجم، وكأني حبة وقد غرسها في التراب، فإذا الحبة أصبحت باسقة الأوراق على الأبواب، يانعة الأثمار، لامعة الأزهار، فأصبحت مع كثرة الأعوام، كشاب لم تمر عليه الدنيا إلا قليل من الأيام وكيف تقول أني لا أقدر على الجدال، وأني لم أكن في المدرسة في هذا المجال، من أنت يا مسكين، وأنا عند أدباء العرب مكين، أتظن أنك أعلم مني في لسان العرب، أو أكثر مني معرفة بطرق الأدب، وإني لأظن أنك لا تعرف العربية، ولم تصفح بالحقيقة كتب الأدبية، وإني شربت من كأس اليقين، وسقاني بركة الأئمة من ماء معين، فكيف تتجرأ أن تبعث إلينا بمثل هذه الرسالة، وتلصقني بتلك المقالة، وأنا كبير من أكابر البلغاء، وعظيم من عظماء الفصحاء، ألم تعلم أني أنحت كلاما فتتعجب منه الأدباء، وأصنع بيتا فيتأوه منه نوابغ الشعراء، أأتتك المنون، أم بك الجنون، أتظن أنك أسبق مني في معرفة الدليل، وتمييز الصحيح من العليل، وإني لمن أهل اللسان، وشربت لبن الحكمة من ثدي البيان، أأنت أعلم من سليم البشرى الذي نازع صاحب المراجعات، واعترف بالمذهب بصريح من الكلمات، أو أنت من المغضوب عليهم والضالين، ألم تعلم أنه كان شيخ الأزهر، واعترف بفضله أهل الدهر، وقد كان مغلوبا أمام شرف الدين، واعترف بعدم عدالة الصحابة باليقين، و والله إني سأصول عليك وعلى كل مريب، لكشف مغلط معيب، فلا تلعب بي واعلم أني من المجدّين.