الصفحة 5 من 88

ثم كتبت إلى الأب في وقت طلب اللقاء، فلم يلب وأبدى الإباء، وكان قد شاخ ووهن منه العظم من أجل كثرة السنين، وكنت حينئذ قد قاربت الثلاثين وما أصابني فرح من ذلك الاقتراح، وتألمت كواحد هاجمته القسورة في الصباح، ورجفة شديدة تدب في جسمي بالعذاب, وكنت كتبت إليه ودموعي تتساقط على الكتاب، وتساءلت كيف ستكون بيننا عاقبة القرابة، ولم يبق لي إلا الشكوك والاسترابة، نعم والله ما دخل فيّ الفرح من ذلك الطلب، بل حزنت حزن من كسر منه الصلب، وكنت أكتب إليه ودموعي تتساقط على صفحة الرسالة، وأنهمك في البكاء لما أبعث إليه بالمقالة، ثم دعوت الله أن يحميني من هذا البلاء، وأن يقود إلى أبي النور والضياء، وأن يؤيدني بنصره إنه هو الناصر العلام، لأني أصبحت كشجرة أقلعت مع الجذور من المقام، وكان إيمانه بالمذهب محل البلوى، وقد بعثت إليه بكلام فيه الإنصاف والتبرع والجدوى، ولما تواتر رفع صوت الدعوات، وكثر تقلب الوجه في السموات، إذ كنت في البيت وقد فرغت من فريضة العشاء، وكنت على يقظة ولم يأخذني نصب المساء، إذ سمعت صوت قرع الباب، فإذا القارع هو العم أخ باب، فدنا مني وكأنه يريد أن يكلمني فكان من المتكلمين, وتكلم كثيرا واشتكى، وسال من عينه الدموع وبكى، ثم قال:

اعلم أنه قد حلّ في قبيلة الموسوية همّ، فأرسلوني إليك بصفة العم، أن اسمك سيمحى من قرطاس الموسوية، إذا لم يحدث بينك وبين أبيك الاتفاق، لأنه لا يبق في قبيلتنا إلا الذي اتفق مع أبيه، وعمل بوصاياه وبكل ما يخرج من فيه، وينذر أنه لن يخالف شريعة الموسوية، وإن من شريعتنا الموالاة بالعترة النبوية، ويموت وفي قلبه حب علي، وفي شفتيه هذا القول الجلي، أعني القول بأن عليا ولي الله في الآذان، فافهم هذا إن كان لك أذنان، وأنه خليفة رسول الله شرعا، ويقول بالرجعة، ومن ترك هذه الثلاثة ودار، فقد أسقط نفسه في النار، والسلام على من كان في حسن الأخلاق، ثم غاب عن عيني، وتحير فكري وذهني، ثم رجع بغده يسعى، وألح علي وهو يسمع مني ويرى، وكان من الذين يخبطون كمن أصابه الجن بالمس، وتحير من أجل اللمس، حتى أبكاني كربته ونصبه, فكدت أن أميل إلى طلبه، من أجل تضرعه وارتجاف منه الجلد، وأصابني حرارة الفزع والضيق كأني في اللحد، وكان يتنفس الصعداء، كواحد أخنق من قبل الأعداء، ولما رأيت نسيجه وجده قد بلغا إلى مرتبة الكمال، ولم يدع لي الخيار في هذا المجال، قصدت أن أريه يد التنازل عن الموقف، وأن أمسك الفرامل للتوقف، فخفت عاقبة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت