فهرس الكتاب
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وهذا أعظم من الذي قبله، فإن شأن الله أعظم من أن يقسم عليه، أو يسأل بأحد من خلقه، فإذا تقرر ذلك عندهم، نقلهم منه إلى دعائه , وعبادته، وسؤاله الشفاعة من دون الله، واتخاذ قبره وثنًا يعكف عليه، وتعلق عليه القناديل , والستور , ويطاف به , ويستلم، ويقبل , ويحج إليه، ويذبح عنده، فإذا تقرر ذلك عندهم، نقله منه إلى دعاء الناس إلى عبادته، واتخاذه عيدًا , ومنسكًا، ورأوا أن ذلك أنفع لهم في دنياهم , وأخراهم، وكل هذا مما قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أنه مضاد لما بعث الله به رسوله - من تجريد التوحيد لله، وألا يعبد إلا الله، فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم منه إلى أن من نهى عن ذلك فقد تنقص أهل الرتب العالية، وحطهم عن منزلتهم، وزعم أنهم لا حرمة لهم , ولا قدر، وغضب المشركون، واشمأزت قلوبهم , كما قال تعالى (وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون) وسرى ذلك في نفوس كثير من الجهال , والطغام، وكثير ممن ينتسب إلى العلم , والدين، حتى عادوا أهل التوحيد، ورموهم بالعظائم، ونفروا الناس عنهم، ووالوا أهل الشرك , وعظموهم، وزعموا أنهم أولياء الله , وأنصار دينه , ورسوله، ويأبى الله ذلك (وما كانوا أولياءه إن أولياءه إلا المتقون) أ. هـ
وَعَنْ عُمَرَ - رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ - قَالَ: (( لا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ اَلنَّصَارَى اِبْنَ مَرْيَمَ , إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ , فَقُولُوا: عَبْدُ اَللَّهِ وَرَسُولُهُ ) ). أَخْرَجَاهُ.
تخريجه: رواه البخاري.
والشاهد: النهي عن الإطراء، وهو نوع خاص من الغلو، وهو الغلو في المدح قولًا.
تنبيه: المراد بالكاف في قوله - (كما أطرت النصارى ... ) التعليل.
والمعنى: لا تطروني إطراءً , فيؤدي ذلك أن تكونوا مثل النصارى، ويدل عليه قوله - (إنما أنا عبد الله فقولوا: عبد الله ورسوله) .
وزعم الخرافييون من الصوفية وأضرابهم إلى أن المراد بالكاف (التشبية) .
والمعنى عندهم: لا تطروني إطراءً كإطراء النصارى لعيسى , حيث جعلوه إلهًا، وأما غير ذلك فلا بأس.
ولذا يقول البوصيري في بردته التي يترنم بها في الموالد اليوم، والله المستعان، يقول:
دع ما ادعته النصارى في نبيهم واحكم بما شئت مدحًا فيه واحتكمَ
فهل بعد هذا القول محادة لله ورسوله! وهو - يقول: لا تطروني ... وقولوا عبد الله ورسوله.
على أنهم بلغوا في إطراءه أشد مما بلغ النصارى في عيسى , والعياذ بالله، حيث أشركوه في بعض معاني الربوبية، ودونكم قصيدة البوصيري وغيره حيث قال:
لو ناسبت قدره آياته عظمًا أحيا اسمه حين يُدعى دارس الرمم
قال بعض شراح البردة: حتى القرآن لا يناسب قدره.
قال في تيسير العزيز الحميد: ويوجد شيء من ذلك في أشعار المادحين لسيد المرسلين - الذين جاوزوا الحد في مدحه - وعصوه في نهيه من الغلو فيه، وإطرائه , كما أطرت النصارى ابن مريم، وصار حظهم منه - هو مدحه بالأشعار , والقصائد، والغلو الزائد، مع عصيانهم له في أمره , ونهيه، فتجد هذا النوع من أعصى الخلق له صلوات الله عليه وسلامه. وانظر باقي