فهرس الكتاب

الصفحة 145 من 254

وقد ضجر بالحديد والحبس، فقال له: هل لك أن أخلصك مما أنت فيه , وتبيعني دار الأرقم، فإن أمير المؤمنين يريدها، وعسى أن بعته إياها أن أكلمه فيك , فيعفو عنك، قال: إنها صدقة، ولكن حقي منها له , ومعي فيها شركاء , إخوتي , وغيرهم، فقال: إنما عليك نفسك , أعطنا حقك , وبرئت، فاشهد له بحقه , وكتب عليه كتاب شرى على حساب سبعة عشر ألف دينار، ثم تتبع إخوته ففتنتهم كثرة المال فباعوه، فصارت لأبي جعفر , ولمن اقطعها، ثم صيرها المهدي للخيزران أم موسى وهارون , فبنتها , وعُرفت بها، ثم صارت لجعفر بن موسى أمير المؤمنين، ثم سكنها أصحاب الشطوي , والعدني، ثم اشترى عامتها , أو أَكثرها غسان بن عباد , من ولد موسى بن جعفر.

قال: وأما دار الأرقم بالمدينة في بني زريق فقطيعة من النبي - هكذا رواه ابن سعد في الطبقات , ورواه الحاكم في المستدرك من طريق شيخ ابن سعد , محمد بن عمر , وسكت عنه، ومن طريق الحاكم ذكر الزيلعي في (نصب الراية) في كتاب الوقف، والحافظ ابن حجر في (الدراية) قطعة منه، وكذلك في (الإصابة) . إلا أنه قال في (الدراية) : وهلال مولى هشام. بدل (وفلان مولى هشام) وذكر جملة منه ابن جرير الطبري في كتابه (ذيل المذيل) من تاريخ الصحابة والتابعين من طريق محمد بن عمر بسنده المذكور.

فمن هذه الرواية تبين أن كون دار الأرقم دار إسلام لم يمنع الأرقم التصرف فيها هو , ولا ملاكها بعد، كما يتصرف في غيرها من الدور، ولم يتخذها متبركًا يتبرك به الوافدون إلى بيت الله الحرام، بل كانوا يسكنون فيها , ويؤاجرون , ويأخذون عليها.

وأول من اتخذ منها مزارًا (الخيزران) حينما اتخذت القسم الذي يذكر أنه مختبئ رسول الله - في دار الأرقم بن أبي الأرقم مسجدًا، وهذا المسجد هو الذي ذكره الأزرقي في تاريخ مكة , وتبعه مَنْ بعدَه، وذكر الفاسي في (شفاء الغرام) والنووي في (الإيضاح) وصاحب (الجامع اللطيف) أنه المقصود بالزيارة من دار الأرقم.

وعبارة الفاسي: المقصود بالزيارة منها , أي من دار الأرقم , هو المسجد الذي فيها , وهو المشهور من المساجد التي ذكرها الأزرقي، وذكر أن النبي - كان مختبئًا فيه - أي في الموضع الذي اتخذ مسجدًا - وفيه أسلم عمر رضي الله عنه.

ويصف لنا الفاسي في (شفاء الغرام) مشاهدته ذلك المسجد حين يقول: وطول هذا المسجد ثمانية أذرع إلا قيراطين، وعرضه سبعة أذرع وثلث، الجميع بذراع الحديد، حرر ذلك بحضوري , وفيه مكتوب (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ. رِجَالٌ) . هذه مختبئ رسول الله - دار الخيزران، وفيه مبتدأُ الإسلام، أمرت بتجديده الفقيرة إلى الله , مولاة أَمير الملك مفلح سنة ست ... وذهب بقية التاريخ.

قال الفاسي: وعمّره أيضًا الوزير الجواد، وعمرته مجاورة يقال لها مرة العصماء، وعُمر أيضًا في سنة إحدى وعشرين وثمانمائة، والذي أمر بهذه العمارة لا أعرفه، والمتولي بصرف النفقة فيها علاء الدين علي بن ناصر محمد بن الصارم , المعروف بالقائد. انتهى كلام الفاسي.

وعلى كل فعمل الخيزران ليس بحجة، وإنما الحجة في عمل الصحابة رضي الله عنهم، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في تفسير (سورة الإخلاص) : إن الصحابة والتابعين لهم بإحسان لم يبنوا قط على قبر نبي , ولا رجل صالح , ولا جعلوه مشهدًا , أو مزارًا , ولا على شيء من آثار الأنبياء , مثل مكان نزل فيه , أو صلى فيه , أو فعل فيه شيئًا من ذلك.

وتكلم شيخ الإسلام ابن تيمية في (اقتضاء الصراط المستقيم) على المزارات التي بمكة غير المشاعر , مساجد وغيرها , فقال ضمن كلامه على ذلك: ما بنى رسول الله - بمكة غير المسجد الحرام، بل المساجد كلها محدثة , مسجد المولد وغيره، ولا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت