فهرس الكتاب
شرع لأمته زيارة موضع المولد، ولا زيارة موضع العقبة الذي خلف مني , وقد بُني هناك مسجد، واحتج بأن النبي - اعتمر أربع عمر، وحج معه في حجة الوداع جماهير المسلمين لم يتخلف عن الحج معه إلا من شاء الله، وهو في ذلك كله لم يأت هو , ولا أحد من أصحابه غار حراء، ولا شيئًا من البقاع التي حول مكة، ولم يكن هناك إلا بالمسجد الحرام , وبين الصفا والمروة , ومنى , ومزدلفة , وعرفات، وصلى الظهر , والعصر ببطن عرنة، وضربت له القبة يوم عرفة بنمرة المجاورة لعرفة، وحج بعده خلفاؤه الراشدون فمشوا على تلك الطريقة , ما ساروا إلى حراء ونحوه لصلاة فيه.
وقال في (ص 429) : قد ذكر طائفة من المصنفين استحباب زيارة مساجد مكة , وما حولها، وكنت كتبتها في منسك كتبته قبل أن أحج في أول عمري لبعض الشيوخ , جمعته من كلام العلماء، ثم تبين لي أن هذا كله من البدع المحدثة التي لا أصل لها في الشريعة، وأن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار لم يفعلوا شيئًا من ذلك، وأن أئمة العلم والهدى ينهون عن ذلك , وأن المسجد الحرام هو المسجد الذي شرع لنا قصده للصلاة , والدعاء , والطواف , وغير ذلك من العبادات، ولم يشرع لنا قصد مسجد بعينه بمكة سواه، ولا يصلح أن يجعل هناك مسجد يزاحمه في شيء من الأحكام، وما يفعله الرجل في مسجد من تلك المساجد من دعاء , وصلاة , وغير ذلك إذا فعله في المسجد الحرام كان خيرًا له , بل هذا سنة مشروعة، وأما قصد مسجد غيره هناك تحريًا لفضله فبدعة غير مشروعة.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في (منسكه) : أما زيارة المساجد التي بنيت بمكة غير المسجد الحرام , كالمسجد الذي تحت الصفا، وما في سفح أبي قبيس، ونحو ذلك من المساجد التي بنيت على آثار النبي - وأصحابه , كمسجد المولد وغيره , فليس قصد شيء من ذلك من السنة، ولا استحبه أحد من الأئمة، وإنما المشروع إتيان المسجد الحرام خاصة , والمشاعر عرفة , ومزدلفة , والصفا , والمروة، وكذلك قصد الجبال , والبقاع التي حول مكة غير المشاعر , عرفة , ومزدلفة , ومنى , مثل جبل حراء , والجبل الذي عند منى الذي يقال إنه كان فيه قبة الفداء , ونحو ذلك , فإنه ليس من سنة رسول الله - زيارة شيء من ذلك , بل هو بدعة.
وقال في تفسير (سورة الإخلاص) : النبي - لم يصل بمسجد بمكة إلا المسجد الحرام , ولم يأت للعبادات إلا المشاعر , منى , ومزدلفة , وعرفة، ولهذا كان أئمة العلماء على أنه لا يستحب أن يقصد مسجد بمكة لصلاة , غير المسجد الحرام , ولا تقصد بقعة لزيارة , غير المشاعر التي قصدها رسول الله - .... إلى أن قال: وكل مسجد بمكة , وما حولها غير المسجد الحرام فهو محدث أ. هـ
ويضاف إلى هذا ما ذكر الشاطبي في (الاعتصام) في تتبع الآثار قال: خرج الطحاوي , وابن وضاح , وغيرهما , عن معرور بن سويد الأسدي، قال: وافيت الموسم مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فلما انصرفنا إلى المدينة انصرفت معه , فلما صلى لنا صلاة الغداة فقرأ فيها (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ) و (لإِيلافِ قُرَيْش) ثم رأى ناسًا يذهبون مذهبًا , فقال: أين يذهب هؤلاء؟ قال: يأتون مسجدًا ها هنا صلى فيه رسول الله -. فقال: إنما أهلك من كان قبلكم أنهم يتبعون آثار أنبيائهم , فاتخذوها كنائس , وبيعًا، من أدركته الصلاة في شيء من هذه المساجد التي صلى فيها رسول الله - فليصل، وإلا فلا يتعمدها. ثم قال الشاطبي: قال ابن وضاح: كان مالك بن أنس وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد , وتلك الآثار للنبي - ما عدا قباء وحده. قال: وسمعتهم يذكرون أن سفيان دخل مسجد بيت المقدس فصلى فيه , ولم يتبع تلك الآثار , ولا الصلاة فيها، وكذلك فعل غيره ممن يقتدي به، وقدم وكيع مسجد بيت المقدس فلم يَعْدُ فعل سفيان. قال ابن