فهرس الكتاب

الصفحة 147 من 254

وضاح: وقد كان مالك يكره كل بدعة , وإن كانت في خير، وجميع هذا ذريعة لأن يتخذ سنة ما ليس سنة , أو يعد مشروعًا ما ليس مشروعًا.

وهذا كله على تسليم كون الدار المعروفة اليوم بدار الأرقم هي دار الأرقم في الواقع، وفي النفس من ذلك شيء لأمرين:

أحدهما: أن موقع دار الأرقم حسب ما تقدم في رواية ابن سعد على باب الصفا، وفي تلك الرواية قول يحيى بن عمران بن عثمان بن الأرقم: إني لأعلم اليوم الذي وقعت - أي دار الأرقم - في نفس أبي جعفر أنه ليسعى بين الصفا والمروة في حجة حجها , ونحن على ظهر الدار في فسطاط , فيمر تحتنا لو أشاء أن آخذ قلنسوة عليه لأخذتها، وإنه لينظر إلينا من حين يهبط بطن الوادي حتى يصعد إلى الصفا.

وهذا غير موقع الدار المعروفة اليوم بذلك الاسم. وما في رواية ابن سعد المذكورة موافق لما في تاريخ مكة للأزرقي , ومستدرك الحاكم أنها عند الصفا. ولما في (أُسد الغابة) لابن الأثير أنها في أصل الصفا.

الثاني: ما ذكره ابن كثير في تاريخه (البداية والنهاية) في حوادث سنة 173 هـ في ترجمة الخيزران، قال: قد اشترت الدار المشهورة فيها بمكة , المعروفة بدار الخيزران , فزادتها في المسجد الحرام.

فإن هذا وإن كان بعيدًا , ومخالفًا لرواية ابن سعد المتقدمة , ولم يذكره الأزرقي وغيره , فإنه مما يشكك في اشتهار الدار الموجودة اليوم باسم (دار الأرقم) في زمن ابن كثير , إذ لو كان الأمر كذلك لما خفي عليه.

وأما قول السائل: لِم أزيل أثر مسجد البيعة من الحديبية (الشميسي) وهل هناك مانع ديني يمنع من الاحتفاظ به كمأثر شهد بيعة كان لها أكبر الأثر في رفع راية الإسلام.

فالجواب: أنه أُزيل لأنه ليس مسجد الشجرة الذي يعنيه السائل بمسجد البيعة، فإن مسجد الشجرة غير معروف هو والحديبية من مدة قرون , بشهادة مؤرخي مكة , والمدينة.

قال الفاسي في (شفاء الغرام) في كلامه على مسجد الشجرة , وعلى المسجد الآخر الذي بناه يقطين بن موسى في الشق الأيسر: هذان المسجدان , والحديبية لا يعرفون اليوم، والله أعلم.

وقال في موضع آخر ما نصه: هي - أي الحديبية - والاعشاش لا يعرفان اليوم.

وذكر في محل آخر القول بأن موضع الحديبية هو الذي فيه البئر المعروفة ببئر شميسي , بطريق جدة، وتعقبه بقوله: الشجرة والحديبية لا يعرفان الآن، وليست الحديبية بالموضع الذي يقال له الحديبية في طريق جدة , لقرب هذا الموضع من جدة , وبعده عن مكة، والحديبية دونه بكثير إلى مكة.

وقال الزين المراغي في (تحقيق النصرة بمعالم دار الهجرة) في كلامه على مسجد الحديبية: لا يعرف اليوم، بل يقال: إن مكة ليس فيها أحد يعرف الحديبية بعينها , وإنما يعرفون الجهة لا غير.

وقال السمهودي في (وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى) : هو - أي مسجد الحديبية - غير معروف، بل قال المطري: لم أر في أرض مكة من يعرف اليوم الحديبية , إلا الناحية لا غير.

وإذا كان هذا مآل مسجد الشجرة , والحديبية في أعصر أولئك , فكيف باليوم!.

وأما موقف السلف من ذلك المسجد المسمى بمسجد الشجرة أيام كان هو والحديبية معروفين , فهو أنهم لا يرون رأي السائل , وهو أنه شهد بيعة الرضوان، وممن قام ببيان ذلك من السلف سعيد بن المسيب، فقد روى الشيخان البخاري ومسلم في

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت