فهرس الكتاب
والشاهد: أن من فضائل كلمة التوحيد أنها ترجح بالسماوات السبع وعامرهن غير الله، والأرضين السبع وعامرهن ... ، وأنها أفضل الذكر والدعاء , كما في الحديث الصحيح: أفضل ما قلت أنا والنبيون قبلي (لا إله إلا الله) .
وقول موسى عليه السلام (كل عبادك يقولون هذا) ليس مراده التقليل من شأن هذه الكلمة، بل يريد أن يخصه الله بشيء دون غيره، وقد جاء مصرحًا كما في سنن النسائي والحاكم وشرح السنة بعد قوله (كل عبادك يقولون هذا، إنما أريد أن تخصني به) .
وفي هذا الحديث دليل على أن أعظم كلمة هي (لا إله إلا الله) لأن موسى أراد أخص منها , فأُخبر أنه لا أخص منها.
قال في تيسير العزيز الحميد: فيه أن الذاكر بها يقولها كلها , ولا يقتصر على لفظ الجلالة كما يفعله جهال المتصوفة , ولا يقول أيضًا (هو) كما يقوله غلاة جهالهم , فإذا أرادوا الدعاء , قالوا: يا (هو) , فإن ذلك بدعة وضلالة , وقد صنف جهالهم في المسألتين , وصنف ابن عربي كتابًا سماه كتاب (الهو) .
وقال الشيخ ابن قاسم في حاشيته على كتاب التوحيد: وهي أكثر الأذكار وجودًا , وأيسرها حصولًا , فإن أحرفها كلها جوفيه , ليس فيها حرف شفوي , فيمكن قائلها أن يقولها من غير فتح فمه , وهو أسلم وأبعد عن الرياء , وكونها جوفية أيضًا إشارة إلى أنها تخرج من القلب , وأحرفها مهملة فتنبيء عن التجرد من كل معبود سوى الله.
وَلِلتِّرْمِذِيِّ - وَحَسَّنَهُ - عَنْ أَنَسٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: (( قَالَ اللهُ تَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ أتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لأتيتك بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً ) ).
تخريجه: حديث أنس رواه الإمام أحمد , والترمذي، وحسنه ابن حجر، وقال ابن رجب: إسناده لا بأس به , وحسنه الألباني.
وهذا الحديث ذكر المصنف آخره، وأول الحديث قوله - صلى الله عليه وسلم: قال الله تبارك وتعالى: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة.
والشاهد: عظم هذه الكلمة حيث تغفر بها الذنوب الكثيرة.
قال ابن رجب: فإن هذا التوحيد هو الإكسير الأعظم، فلو وضع نقطة منه على جبال الذنوب والخطايا لقلبها حسنات أ. هـ
لكن ينبغي أن يعلم أن هذا الفضل لا يشمل كل من أتى بهذه الكلمة، لأنه من المعلوم يقينًا أن هناك من يُعذب من أهل هذه الكلمة على ذنوبه، ولو أخذ بإطلاق الحديث لما عُذب أحد من أهل التوحيد، وهذا مخالف للنصوص المثبتة للعذاب لأهل التوحيد , ودخول طائفة منهم النار بلا تخليد.