فهرس الكتاب
فدل على أن المغفرة بهذا الإطلاق ليست لكل الموحدين، بل لطائفة خاصة قادها توحيدها إلى الإخلاص , ومحبة الله , وصدق اليقين , بحيث جعلها لا تصر على ذنب أصلًا، وإن كان لها ذنب قبل ذلك فإن هذا الإيمان واليقين والإخلاص والمحبة لا يترك له ذنب إلا محي عنه , أو كان قول ذلك عند الموت كما ذكر ابن رجب [1] .
قال الشيخ ابن باز رحمه الله: ووجه العلماء هذا الحديث بوجهين:
أ. أن هذا في حق من قالها صادقًا مخلصًا لم يصر على سيئة , فأحكم هذه الكلمة حتى صار مؤديًا لجميع الواجبات , تاركًا لجميع المنهيات , مستقيمًا على شرع الله في كل شيء.
ب. أن هذا في حق من قالها وأتى إلى الله تائبًا من خطاياه , مقلعًا عن ذنوبه وسيئاته، فكل الخطايا ساقطة بهذه الكلمة.
قال ابن القيم: ويعفى لأهل التوحيد المحض الذي لم يشوبوه بالشرك ما لا يعفى لمن ليس كذلك , فلو لقي الموحد الذي لم يشرك بالله شيئًا البته ربه بقراب الأرض خطايا , أتاه بقرابها مغفرة , ولا يحصل هذا لمن نقص توحيده , فإن التوحيد الخالص الذي لا يشوبه شرك لا يبقى معه ذنب , لأنه يتضمن من محبة الله وإجلاله وتعظيمه وخوفه ورجائه وحده ما يوجب غسل الذنوب ولو كانت قراب الأرض , فالنجاسة عارضة والدافع لها أقوى [2] .
مسألة: ذكر العلماء رحمهم الله أن هذه الكلمة لا يكفي فيها النطق، بلا لابد لها من شروط معينه، ولذا نقل ابن تيمية , والشيخ سليمان بن عبد الله , وعبد الرحمن آل الشيخ الإجماع على أنه لا يكفي التلفظ بها، بل لابد من وجود شروط , وانتفاء موانع.
قال ابن تيمية: من اعتقد أنه بمجرد تلفظه بالشهادة يدخل الجنة , ولا يدخل النار فهو ضال مخالف للكتاب , والسنة , والإجماع.
ولذا قيل للحسن البصري: إن ناسًا قالوا: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة. فقال: من قال لا إله إلا الله بحقها وفرضها دخل الجنة.
وقال وهب بن منبه لمن سأله: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ قال: بلى , ولكن ما من مفتاح إلا وله أسنان , فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك , وإلا لم يفتح.
وعليه فنحمل الأحاديث المطلقة على المقيدة لها بهذه الشروط، كما يقال: إذا تطهر المصلي صحت صلاته، والمعنى مع بقية شروطها , من استقبال القبلة وستر العورة ... وقوله (الحج عرفة) يعني مع بقية شروط الحج وهكذا ...
وهذه الشروط هي:
(1) راجع لزامًا كلام ابن تيمية , وابن القيم , وابن رجب في كتاب (فتح المجيد) .
(2) قلت: يشكل على هذا أن من أتى بقراب الأرض خطايا لا يكون توحيده كاملًا - مشتملًا على ما ذكر - , خاصة مع إتباع الهواء الذي سماه الله إلهًا.
قال ابن رجب: من جاء مع التوحيد بقراب الأرض خطايا لقيه الله بقرابها مغفرة , لكن هذا مع مشيئة الله عز وجل , فإن شاء غفر له , وإن شاء أخذه بذنوبه , ثم كان عاقبته أن لا يخلد في النار.
ولما سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن حديث البطاقة , قال: وحديث البطاقة أنه رُزق عند الخاتمة قولها , على ذلك الوجه , والأعمال بالخواتيم , مع أن علي بقية إشكال , والله أعلم أ. هـ