فهرس الكتاب
وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ قَتَادَةَ، قُلْتُ لابْنِ الْمُسَيِّبِ: رَجُلٌ بِهِ طِبٌّ أَوْ يُؤْخَّذُ عَنِ امْرَأَتِهِ , أَيُحَلُّ عَنْهُ أَوْ يُنْشَّرُ ? قَالَ: لا بَاسَ بِهِ , إِنَّمَا يُرِيدُونَ بِهِ الإصْلاحَ , فَأَمَّا مَا يَنْفَعُ فَلَمْ يُنْهَ عَنْهُ.
تخريجه: رواه البخاري تعليقًا بصيغة الجزم [1] .
والشاهد: أن ابن المسيب حكم أن النشرة جائزة، لقوله (فأما ما ينفع فلم ينه عنه) ومراده رحمه الله أن عمل الساحر إذا كان فيه إضرار فهو محرم , وأما إن كان فيه نفع كحل السحر , وإبطاله , فلا بأس به , وهو رحمه الله لا يتكلم عن حكم الساحر هنا , ومع ذلك فهو اجتهاد منه خالفه فيه جماهير العلماء , لما سبق بيانه [2] .
قوله (به طب) أي: سحر.
قوله (أو) يحتمل أنه شك , ويحتمل أنه سأله عن الأمرين: المسحور , والذي يحبس عن امرأته.
قوله (يؤخَّذ) يحبس عن امرأته.
قوله (أيحل عنه , أو ينشَّر) قال شيخنا: لا شك أن (أو) هنا للشك , لأن الحل هو النشرة.
وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ: لا يَحُلُّ السِّحَرَ إِلا سَاحِرٌ.
تخريجه: قال في تيسير العزيز الحميد: هذا الأثر ذكره ابن الجوزي في جامع المسانيد بغير إسناد , ولفظه (لا يطلق السحر إلا ساحر) .
والشاهد: أن السحر إذا لم يكن بالطرق الشرعية فهو لا بد أن يكون عن طريق السحر , وإن اختلفت الطرق , وذكر ابن القيم أن مراده النشرة المحرمة , وهو كذلك.
(1) في علم المصطلح أن تعليقات البخاري التي بصيغة الجزم صحيحة، لكنها ليست على شرطه.
(2) الظاهر - والله أعلم - أن ابن المسيب يرى جواز حل السحر بالسحر , كما هو ظاهر كلامه أعلاه , وأصرح منه ماروى ابن جرير في التهذيب من طريق يزيد بن زريع عن قتادة عن سعيد بن المسيب أنه كان لا يرى بأسًا إذا كان بالرجل سحر أن يمشي إلى من يطلق عنه، فقال: هو صلاح. قال قتادة: وكان الحسن يكره ذلك، يقول: لا يعمل ذلك إلا ساحر، فقال سعيد بن المسيب: إنما نهى الله عما يضر , ولم ينه عما ينفع.
وفي هذا دليل أنه يريد حله بالسحر , لا بالرقى الشرعية , لأنه عارض قول الحسن.
وقد تكلف بعض العلماء في دفع ذلك عن ابن المسيب.
قال في تيسير العزيز الحميد: وهذا الكلام من ابن المسيب يحمل على نوع من النشرة لا يعلم هل هو نوع من السحر أم لا , فأما أن يكون ابن المسيب يفتي بجواز قصد الساحر الكافر المأمور بقتله ليعمل السحر فلا يظن به ذلك , حاشاه منه , ويدل على ذلك قوله (إنما يريدون به الإصلاح) فأي إصلاح في السحر؟! بل كله فساد وكفر.
قلت هذا الكلام خلاف الظاهر - والله أعلم - ويدل عليه قوله (فأما ما ينفع فلم ينه عنه) , فلو أراد الرقية الشرعيه لم يكن فيها شيء لا ينفع.
وقال في تيسير العزيز الحميد أيضًا: هذا الثاني هو الذي يحمل عليه كلام ابن المسيب، أو على نوع لا يدرى هل هو من السحر أم لا، وكذلك ما روي عن الإمام أحمد من إجازة النشرة فإنه محمول على ذلك , وغلط من ظن أنه أجاز النشرة، وليس في كلامه ما يدل على ذلك، بل لما سئل عن الرجل يحل السحر، قال: قد رخص فيه بعض الناس، قيل: إنه يجعل في الطنجير ماءً يغيب فيه. فنفض يده وقال: لا أدري ما هذا. قيل له: أفترى أن يؤتى مثل هذا؟ قال: لا أدري ما هذا. وهذا صريح في النهي عن النشرة على الوجه المكروه. وكيف يجيزه وهو الذي روى الحديث (إنها من عمل الشيطان) لكن لما كان لفظ النشرة مشتركًا بين الجائز والتي من عمل الشيطان، ورأوه قد أجاز النشرة ظنوا أنه قد أجاز التي من عمل الشيطان وحاشاه من ذلك أ. هـ
ولكن كما قال شيخنا: ولكن على كل حال حتى لو كان ابن المسيب , ومن فوق ابن المسيب ممن ليس قوله حجة يرى أنه جائز فليس معنى ذلك أن يكون جائزًا في حكم الله , حتى يعرض على الكتاب , والسنة , وقد سئل رسول الله - عن النشرة فقال: هي من عمل الشيطان.