فهرس الكتاب
في هذه الآية ثناء من الله على الذين يفردونه بالخشية، والشاهد منها قوله (ولم يخش إلا الله) والقاعدة أن مجيء أداة الاستثناء بعد النفي يدل على الحصر والقصر، فدل على أن صرف الخشية لغير الله شرك.
والخشية أخص من الخوف [1] .
وَقَوْلِه: ِ {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ} .
في هذه الآية ذمَ اللهُ من خاف من غيره كخوفه منه , وجعل فتنة الناس كعذاب الله , بأن خاف منها , وترك ما أوجب الله عليه , أو أقدم على ما حرم الله عليه , خشية كلام الناس , وأذاهم.
قال البغوي: أي: جزع من عذاب الناس , ولم يصبر عليه , فأطاع الناس كما يطيع الله من يخاف عذابه.
وقال في تيسير العزيز الحميد: وإنما حمل ضعيف البصيرة على أن جعل فتنة الناس كعذاب الله , وهو الخوف منهم أن ينالوه بما يكره , بسبب الإيمان بالله , وذلك من جملة الخوف من غير الله.
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ - رضي الله عنه - مَرْفُوعًا: (( إِنَّ مِنْ ضَعْفِ الْيَقِينِ أَنْ تُرْضِيَ النَّاسَ بِسَخَطِ اللَّهِ , وَأَنْ تَحْمَدَهُمْ عَلَى رِزْقِ اللَّهِ , وَأَنْ تَذُمَّهُمْ عَلَى مَا لَمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ؛ إِنَّ رِزْقَ اللَّهِ لا يَجُرُّهُ حِرْصُ حَرِيصٍ , وَلا يَرُدُّهُ كَرَاهِيَةُ كَارِهٍ ) ).
تخريجه: رواه أبو نعيم في الحلية، والبيهقي، ولا يصح مرفوعًا.
وتمام الحديث: وإن الله بحكمته جعل الرَوح , والفرح في الرضا , واليقين , وجعل الهم , والحزن في الشك , والسخط.
قال في تيسير العزيز الحميد: إسناده ضعيف , ومعناه صحيح.
وقال في فتح المجيد: والحديث وإن كان في إسناده من ذُكر , فمعناه صحيح.
والشاهد: ذم من قَدَّم سخط الناس على سخط الله، وأنه دليل على ضعف الإيمان , واليقين.
(1) ذكر شيخنا أن الفرق بين الخوف , والخشية من وجهين , وهما:
1.أن الخشية تكون مع العلم بالمخشي , والخوف قد يكون من جاهل.
2.أن الخشية تكون بسبب عظمة المخشي , بخلاف الخوف فقد يكون لضعف الخائف أ. هـ
قال ابن القيم: خشيته تعالى مقرونة بمعرفته , وعلى قدر المعرفة تكون الخشية أ. هـ
وأما الرهبة فهي خوف مقرون بفزع واضطراب , وقد يكون معه عمل من هرب ونحوه.
وأما الوجل فهو الخوف من أمر نازل به , والخوف يكون من أمر مستقبل.
قال ابن القيم: الوجل , والخوف , والخشية , والرهبة , ألفاظ متقاربة , غير مترادفة.