من ذلك ما ذكره البخاري عن ابن مسعود أن هذه الآية في قوم من بني آدم أشركوا بأناس من الجن [1] وأسلم أولئك الجن , ولم يشعر هؤلاء الآدميين بإسلام أولئك , فبقي الآدميون على شركهم وقد أسلم الجن.
قال ابن تيمية: وهذه الأقوال كلها حق , فإن الآية تعم من كان معبوده عابدًا لله .... فالآية خطاب لكل من دعا دون الله مدعوًا , وذلك المدعو يبتغي إلى الله الوسيلة , ويرجو رحمته , ويخاف عذابه.
والشاهد من الآية في الباب من وجهين:
1.أن الله تعالى وصف من عُبد من دونه وهو غير راض بذلك , بكمال التوحيد حيث صرف توجهه لله خوفًا , ورجاءً.
2.أن العابدين لأولئك لم يحققوا التوحيد حيث صرفوا أنواع العبادة لغيره.
ومن فوائد هاتين الآيتين: بيان طريقة القرآن في تقرير توحيد الألوهية للمشركين , وقد سلك القرآن عدة طرق في ذلك من أشهرها:
1.تقريرهم بتوحيد الربوبية , وإلزامهم بلازم ذلك وهو إفراده بالألوهية، وهذه هي أكثر طرق القرآن في تقرير الألوهية , فإذا كان الله هو المتفرد بالملك , والخلق , والرزق , والتدبير , وجب أن يفرد بالتوجه , والقصد , والدعاء.
2.ذكر ضعف الآلهة , وعدم قدرتها على نصر عابديها، أو كشف الضر عنهم , أو جلب الخير لهم، أو دفع الشر عنهم، أو إمساك الرحمة عنهم.
3.ذكر مآل معبوداتهم في الآخرة , وأنها تتبرأ منهم.
وانظر في ذلك كتاب (دعوة التوحيد) للشيخ محمد خليل الهراس.
وَقَوْلِهِ: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (26) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي ... } الآية.
في هذه الآية بيان أن من لوازم كلمة التوحيد: البراءة من كل ما عبد من دون الله، وهذه البراءة لابد أن تكون بالقلب , وإظهار ذلك باللسان , والعمل.
قال ابن كثير: يقول تعالى مخبرًا عن عبده , ورسوله , وخليله , إمام الحنفاء , ووالد من بعث بعده من الأنبياء , الذي تنتسب إليه قريش في نسبها , ومذهبها , أنه تبرأ من أبيه , وقومه في عبادتهم الأوثان.
ومعنى (وجعلها كلمة باقية في عقبه) الكلمة هي لا إله إلا الله. جعلها في ذريته يقتدي به فيها من هداه الله من ذريته.
وَقَوْلِهِ: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31) } .
في هذه الآية بيان أن من لوازم كلمة التوحيد أن تكون الطاعة المطلقة لله، فمن أطاع أحدًا غير الله طاعة مطلقة في كل شيء , أو اعتقد ذلك له , فقد اتخذه إلهًا.
وأن من لوازم كلمة التوحيد إفراد الله بالتشريع، فمن شرع للناس شرعًا مضاد لشرع الله فقد جعل نفسه إلهًا من دون الله.
وبيان ذلك في تفسير هذه الآية، حيث جاء عند أحمد , والترمذي , وحسنه عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: إنهم لم يعبدوهم، فقال: بلى: إنهم حرموا الحلال , وحللوا لهم الحرام فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم.
فسمى الطاعة في التشريع عبادة.
وهذا الحديث وإن كان في سنده ضعف، لكن جميع المفسرين فسروا الآية به، كما قال في تيسير العزيز الحميد.
وقال بعضهم: إطباق المفسرين على تفسير الآية بالحديث يجعل الحديث مقبولًا.
ويأتي الكلام عن هذه المسألة في باب مستقل إن شاء الله.
وَقَوْلِهِ: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) } .
(1) يصح أن يطلق (أناس) على الجن قال تعالى (الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس) .