هؤلاء العلماء والمشايخ والدعاة كان منوطًا بهم أن تكون الشريعة قضيتهم الرئيسة بل قضيتهم الوحيدة .. لأنها الأصل الذي يقوم عليه كل الفروع، كان منوطًا بهم أن تكون هذه دعوتهم في كل مناسبة وكلمة وموقف وطريق .. شرع الله حق الله على العبيد، وأصل أصول التوحيد .. هذه نقطة بدء لا يمكن بدء أي طريق من دونها ثم بعد ذلك ـ لا قبله ـ شرع الله بداية الانطلاق والتحرر من الاستبداد والظلم والطغيان وهيمنة القوى الاستعمارية علينا، شرع الله بداية التحرر من التخلف الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والعسكري .. الخ.
هذه هي القضية الرئيسية .. بل القضية الوحيدة، وما من مُصاب أصاب هذه الأمة في تاريخها وحاضرها إلا بسبب التقصير في قضية الشريعة.
في عجالة سأتكلم عن الفقه الإسلامي، ليكون مدخلًا لكيفية التطبيق:
يحب أن نفرق بين نهرين عظيمين في الفقه الإسلامي! نهر العبادات ونهر المعاملات ـ وإن يكن هنالك ارتباط وثيق في طبيعة العقيدة الإسلامية بينهما جميعًا ـ فالفقه الخاص بالعبادات أكثر ثباتًا واستقرارًا، لأنه يتعلق بشعائر تعبدية لا تتأثر بتوالي العصور والأجيال، وأما الفقه الخاص بالمعاملات، فهو أكثر تطورًا، لأنه أشد تأثرًا بالحاجات البشرية المتجددة التي لا تستقر على وضع معين، بحكم تشابك العلاقات، وتغير الأحوال، وبروز أوضاع وعلاقات اجتماعية جديدة لم تكن من قبل في الحساب.
لقد استمر نمو الفقه الإسلامي وتطوره إلى نحو القرن الثامن الهجري، وكان نموه وتطوره متابعًا لنمو المجتمع الإسلامي وتطوره كذلك. وملبيًا لحاجاته المتجددة حسب بروز تلك الحاجات؛ لأن الشريعة الإسلامية كانت هي التي تحكم المجتمع وتصرفه في معظم شئونه.
وأقول في معظم شئونه ـ لا في جميعها ـ لأن سياسة الحكم وسياسة المال قد انحرفت قليلًا أو كثيرًا عن مبادئ الإسلام وأصول الشريعة، منذ بدأ الملك العضوض على يد معاوية، وانقضت أيام الخلافة الرشيدة.
ومهما تكن هذه الانحرافات جزئية في نشأتها، فقد أخذت تعظم شيئا فشيئًا، وأخذ ظل الشريعة السمحة يتقلص شيئًا فشيئًا كذلك عن نواح من نشاط المجتمعات الإسلامية، وشيئًا فشيئًا كان نمو الفقه الإسلامي يتقلص كذلك عن هذه النواحي، بينما يستمر هذا النمو ويزداد في النواحي الطليقة التي تركت الحكومات المنحرفة للناس والفقهاء أن يتحدثوا فيها ...
ومن هنا نشأ ذلك التضخم في فقه العبادات في تلك العصور وذلك الانكماش في فقه النظم الاجتماعية، لأن مجال العبادات كان هو المجال المأمون الذي لا تؤذي فيه الثرثرة؛ بل ربما تفيد لأنها تشغل أذهان الرعية بالجدل الفقهي عن مناقشة الأوضاع الاجتماعية والسياسية السائدة في تلك العصور!
لقد كانت وظيفة الفقه الإسلامي هو توضيح كيفية تطبيق الشريعة الإسلامية، وفق ظروف العصر ومستجداته.
ولقد توقف الفقه الإسلامي منذ القرن الثامن الهجري، وصار الناس من بعده يستخدمونه ويستهلكونه وينشئون مذاهب وجامعات وحملة الدرجات العلمية فيه، وهو ما كان إلا وسيلة لتحقيق غاية إقامة الشريعة ومبادئها وأحكامها في العصر الذي كان فيه هذا الفقه.