الصفحة 39 من 77

فبعد أن استسلم الناس لشرع الله ابتداء، وكان الفقهاء الربانيين يسعون لتطبيقه، وشرعوا بالفعل في تغيير واقعهم وحياتهم، وانحلت المشكلات التي كانت قائمة بسبب عدم قيام الناس بشرع الله .. وشاعت مظاهر الحياة الربانية التي أرادها الله تعالى للإنسان .. جاءت الحدود لتحمي هذا كله ..

ومن اسمها إنها"حدود".. حدود الحياة الإسلامية التي إذا تعداها أحد وقع عليه الحد والعقوبة، وهي لحماية مجتمع قائم بالفعل وأنشأ حياة إسلامية فتقوم"حدود"تحمي تلك الحياة.

فإذا حدث خلل ما في تلك الحياة الربانية القائمة على شرع الله .. صارت هناك شبهة تمنع إقامة تلك الحدود، وهنا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ادرءوا الحدود بالشبهات) أي مع وجود الشبهة لا يقوم الحد، وهذا تمامًا ما فقهه عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ لما أوقف حد السرقة في عام الرمادة (عام الجوع) .. لأن الجوع صار شبة تدرأ الحد. فإذا زالت الشبهة عاد الحد إلى مكانه الطبيعي، يحمي حياة المجتمع.

لنأخذ"حد الزنا"مثالًا:

إن الإسلام ليكره أن تشيع الفاحشة في المجتمع، لما له من أثر في تحطيم أسس المجتمع، إن الإسلام يبدأ بأسباب الوقاية فيأمر بالحشمة ويحرم التبرج، ويتحرج من الاختلاط، ويحاول تيسر الإحصان بالزواج عند الاستطاعة، حتى ليدعو المسلمين إلى مساعدة من يبتغي الزواج بالمال. فإذا تعتذر فهو يدعو إلى الصوم تلطيفًا لفورة الجسد. وهو يحبب الرياضة والفروسية .. وما من شك أن التربية الإسلامية المعتدلة المتناسقة، وتوقي مواضع الإثارة وأسباب الفتنة بتحريم التبرج، والتطري في الحديث: والتحرج من الاختلاط في غير ضرورة قاهرة، مع أخذ الجسم بالرياضة وبالصوم، والتبكير بالزواج بمجرد الاستطاعة .. ما من شك أن في هذه كلها عوامل إيجابية في ضبط النفس والجسد إلى حين.

والجاهلون هنا والشاردون هناك يقولون: إن هذا الضبط لا بد موّد إلى"العقد النفسية"ذلك أنهم لا يتخيلون صورة للمجتمع إلا تلك الصورة القذرة، صورة الشبان الهائجين محتكين بالفتيات الفائرات. صورة الأفخاذ والنهود عارية بارزة. صورة النظرات جاهرة في العيون. تدفعها كلها وتؤجهها مناظر الأفلام الداعرة، وصور الصحف المجرمة، وأصوات المخنثين والمخنثات في الأعلام وكل أجهزة التوجيه، ومن وراء ذلك كله الترف والفراغ في جانب، والعوز والانحلال في جانب. ومن حول ذلك كله تجار الأعراض ومخانيث القوادين!

إن مجتمعًا هذه صورته ليتعذر فيه الضبط، لأن عوامل الفتنة كلها فيها هائجة صاخبة جامحة طليقة. وإن مجتمعًا هذه صورته ليعز فيه على النفوس القرار، ويعز فيه على البيوت السلام .. ولكن المجتمع الإسلامي شيء مغاير لهذا كله من الأساس. إنه مجتمع يبدأ بأسباب الوقاية فيحارب العوز ويسده، ويحارب الاختلاط والتبرّج، ويحارب التخنث والتأنث، وتشتغل أجهزة التوجيه والإعلام فيه بتوجيه الناس إلى الخير والفضيلة، والنظافة والعفة، وتقوى الله ومراقبته، وتعبيدهم كذلك لله وحده! وهو بعد ذلك كله يملأ فراغ الحياة بهموم كبار في سبيل الله وفي سبيل الإنسانية، ويملأ فراغ الوقت بالعمل، فلا يوجد فيه أولئك الفارغون والفارغات الذين لا يجدون ما يملئون به حياتهم، ويصرفون فيه طاقتهم، إلا بالشهوات والنزوات، وإلا الترف الفاجر الداعر.

إن الإسلام يأخذ الأمر من أطرافه جميعًا، ويأخذ على أسباب الفتنة الطريق منذ الخطوة الأولى، ثم يكلف الناس ما في طوقهم حينذاك، بدون مشقة وبدون إعنات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت