فإذا وقعت الفاحشة بعد ذلك، ففي سبيل سلام البيت وفي سبيل تماسك المجتمع يأخذ الأمر بعقوبات رادعة يوقعها على الفاحشين والفاحشات: الجلد لغير المحصن ولغير المحصنة، والرجم للمحصن والمحصنة.
وتسمع من الجاهلين هنا ومن الشاردين هناك أنها عقوبة قاسية. أما تحطيم البيوت، وقلق الضمائر، وتدليس الأنساب فما هي بقاسية.
والإسلام مع ذلك لا يقضي بهذه العقوبة الرادعة إلا في حالات التأكد المطلق الذي لا شبهة فيه، والتي يراها شهود أربعة يتأكدون جميعًا وقوع الفعل بلا شك في نفس واحد منهم، ولا مطعن في عدالته. وإلا فلا رجم ولا جلد.
وإذا عرفنا أن التجسس وتسور الأبواب واقتحام البيوت الخاصة ممنوع، فإن ضبط هذه الجريمة ورؤية الشهود لها على الوضع الذي يشترطه الإسلام لإقامة الحد، لا يكون غالبًا إلا في حالات التهتك الفاضحة، والتبجح في الأماكن العامة. وتلك إشاعة للفحش واستهتار بالكرامة والعرض، لا توصف معهما العقوبة بالقسوة عند ذوي الفطرة المستقيمة والطباع السليمة.
وليس هذا فحسب، فمنعًا لشيوع الاتهام بالحق وبالباطل يعاقب الإسلام بالجلد وبالحرمان من الثقة وبإسقاط الشهادة كل من يرمي امرأة محصنة أو رجلًا محصنًا بالتهمة ولا يأتي بشهود أربعة، وذلك كي لا يشيع الاتهام ويشيع القلق في النفوس والبيوت، ويحل مكانها التشكك والخوف.
ولو وضعنا"حد الزنا"مثالًا في الخطوات الأربعة التي ذكرنا تكون على النحو التالي:
الخطوة الأولى: إننا مستسلمون لشرع الله ابتداء، وإننا لا نرضى إلا حكمه، وإننا لا نقبل إلا التحاكم إلى شرعه وحده دون غيره، ودون اشراك شرائع أخرى معه، ويسقط كل قانون يناقض شريعته .. وإن الزنا حرام بنص كتاب الله. وإن من استحل الزنا ولم يعتبره حرامًا فهو كافر خارج من الإسلام. ومن سخر من عقوبته، واعتبرها وحشية غير مناسبة لإنسان هذا العصر، فهو كافر خارج من الإسلام. ومن شرّع للناس قانونًا عامًا لا يُقر حرمة الزنا وعقوبته كما هي مذكورة في كتاب الله، فهو كافر خارج من الإسلام. ومن رضي بهذا القانون الذي يستحل ما حرّم الله ـ إلا أن يكون مُكرهًا وقلبه مطمئن بالإيمان ـ فهو كافر خارج من الإسلام. بينما إذا اعتبر المرء حرمة الزنا إيمانًا بما قاله الله في كتابه، ولكن وقع في ذنب الزنا ـ ولو مرات ـ فهو مسلم .. لأن العقيدة موضوعها: الإيمان والكفر، والذنب موضوعه: التوبة والمعفرة.
بينما إذا اعتبر المرء عدم حرمة الزنا، واعتبره حرية شخصية، ولو هو على المستوى الشخصي يستقذر فعل الزنا ولا يأتيه؛ فهو كافر خارج من الإسلام، لأنه استحل ما حرم الله.
الخطوة الثانية: الفقه والعلم الخاص بالواقع المعاصر بكل مشكلاته وتحدياته وعقباته، وبدأ الفقهاء في الدراسة المتخصصة الواعية لكل مكونات المجتمع وظروفه الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأخلاقية، حتى تكونت رؤية متكاملة عن الواقع، وفي حالة"حد الزنا"هنا، ستكون المعرفة متخصصة أكثر بظروف المجتمع الاجتماعية والاقتصادية: عدد الذكور والإناث ـ نسبة العنوسة ـ نسب الطلاق ـ دخل الفرد ـ سن الزواج ـ سنوات التعليم ـ تكاليف الزواج ـ الظروف الاقتصادية ـ التقاليد الاجتماعية ـ عقبات الزواج ـ الوضع الأخلاقي للمجتمع ـ المادة الأعلامية التي يتلقها الفرد ـ عوامل الإثارة الجنسية في المجتمع سواء في زي المرأة أو الوسائل المسموعة والمقروءة والمرئية ـ مدى العوز والإنحلال ـ مدى الترف والفجور ـ مستوى العدالة الاجتماعية .. الخ. وغيرها من المعرفة التي تضع