الفقيه على صورة دقيقة تفصيلية لكل مكونات المجتمع والظروف المحيطة به، وهي معرفة ليست سطحية عامة، بل معرفة متخصصة تُشّرح المجتمع تشريحًا دقيقًا.
الخطوة الثالثة: وهي خطوة البناء وسد الذرائع وغلق أبواب المفاسد .. وهي خطوة تحقيق الحق والعدل الرباني، فتقوم الدولة بدورها في حماية المجتمع وصيانته، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتيسير سبل الزواج، وتيسير سبل العفاف والإحصان، وتتبنى المشروعات التي تيسر على الجميع أمر الزواج، وتحبب الأخلاق للناس، وتراقب حالة المجتمع ومستواه الوعي والأخلاقي والسلوكي وتعمل على تهذيبه بكل الوسائل، وتدفع مؤسسات الدولة بأكملها لبناء حياة أخلاقية كريمة، ثم تغلق أبواب الشر من العبث والإثارة والتلاعب بمشاعر الناس، وغلق كل أبواب الفتنة. وشرع الله: يعمل في وحدة كاملة متناسقة، ولا يعمل أجزاء وتفاريق .. فتتحقق السمات العامة للشريعة في كل جوانب الحياة .. ويتحقق الحق والعدل الرباني. كما يأخذ النفس الإنسانية من كل خيوطها، ويدخل عليها من كل جوانبها .. يُحبب إليها الخير والأخلاق، ويُكره إليها الفسوق والعصيان، ويفتح لها طريق التوبة، ويعدها بالمغفرة. ويأخذها من خط الرجاء، فيعدها بالخير في الدنيا والفوز في الآخرة. ويأخذها من خط الخوف، فيتوعدها بالحد والعقوبة في الدنيا، والحساب في الآخرة. فيتحقق التوازن والسلام في النفس والأسرة والمجتمع. ثم تأتي الخطوة الأخيرة ..
الخطوة الرابعة والأخيرة: تطبيق الحد، وجاء الحد ليحمي سلام البيت والمجتمع، وتطبقه الدولة من خلال محاكمها ومؤسساتها .. على شروطه المذكورة في الكتاب والسنة.
وفي كل مراحل الخطوات: هو تطبيق للشريعة وتحقيق للعبودية لله سبحانه وتعالى، فالحياة النظيفة والربانية تقوم أولًا قبل الحدود .. وهنا يفهم الناس أن الأمر ليس مجرد تطبيق حد على الناس، دون إقامة حياة الإحصان والعفاف لهم أولًا. ونقطة أخرى: قد يرى الفقهاء مثلًا أن أول خطوة عملية في الواقع لتطبيق حد الزنا، هي تيسير سبل الزواج، وقطع دابر الفتن وإفساد الإخلاق، فيقول قائل: إذًا أنت مثلًا تنادي بتحقيق العدالة الاجتماعية، وهذا ما نطلب به منذ زمن، فما الجديد الذي تقدمه، ولمَ كل هذه المقدمات الطويلة؟ أقول: إن الأمر مختلف جملة وتفصيلا، فالبدايات والنهايات عندنا مختلفة، حتى وإن التقينا في بعض خطوات الطريق، لأن الأمر في أوله وأوسطه ونهايته عبودية خالصة لله تعالى، وتطبيقًا لشرعه وأمره، وإن كانت العدالة الاجتماعية ـ مثلًا ـ خطوة أو مرحلة على الطريق، فإننا نحققها من منطلق تطبيق الشرع والامتثال لأمر الله .. ففرق كبير بين أن تحقق ما تراه مناسبًا لمجتمعك انطلاقًا من أهوائك ورؤيتك الخاصة، وفرق أن يكون الأمر كله عبودية خالصة لله عزوجل في كل تفصيلاتها وجزئياتها .. عبودية: ونحن نستعلن العقيدة والشرع واضحًا لا مراء فيه. عبودية: ونحن ندرس الواقع ونجد السبيل للحياة الربانية التي يريدها الله تعالى لعباده. عبودية: ونحن ندفع المفاسد، ونسد الذرائع، ونقطع الطريق على الفتن. عبودية: ونحن نُسهل على الناس الزواج. عبودية: ونحن نحمي الأخلاق ونُقوم السلوك. عبودية: ونحن نتزوج ونقيم أسرة وحياة نظيفة. عبودية: ونحن نقيم الحد، وفق ما أمر الله به، وكلها عبودية لله سبحانه وتعالى بلا شريك. وهذه هي حياة المسلم: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام:162] .
وكلمة أخيرة عن الحدود: إن الذي يقوم بتنفيذ هذه الحدود هي الدولة المسلمة من خلال محاكمها ومؤسساتها، والدولة في الإسلام تعمل عند الأمة وتستمد سلطتها منها، فهي تنوب عن الأمة في تيسير مصالحها وتحكم فيها بشرع الله. والدولة بمثابة المدير التنفيذي للأمة تدفع له الأمة أجرًا ليرعى مصالحها ويحول ثرواتها العامة إلى خدمات عامة بالتساوي بين الجميع .. وبالتالي فإن العقد الاجتماعي بين المجتمع والدولة قائم على تحقيق مصالحها، ورعاية ثرواتها، وإقامة حياة ربانية لها. فالأمة والدولة كلاهما يقوم بشريعة الله في نظام الحياة والحكم وهكذا يسود الحق والعدل الرباني. فالدولة تُقيم للأمة حياة ربانية كريمة، وأفراد الأمة يحافظون على تلك الحياة ويمتثلون لشريعة الله التي