الصفحة 58 من 77

إن القضية راية تُرفع، ودين يُقام في الأرض، وشريعة تحكم وتسود، ما الفرق بيننا وكلنا لله جنود، كلنا لله عبيد، كلنا لرفع رايته في الأرض مستشهدون ..

أين إذًا الخلل؟!!

لكن .. وعلى العموم ألحظ تطورًا في الوعي السياسي لدى بعض تيارات الحركة الإسلامية .. وتعلم من أخطاءها، وما ذكرته هنا إنما قلته للتذكرة، فالحركة الإسلامية كلها مِلك للأمة الإسلامية، وخادمة لدين الله، وأخطاءها وتاريخها يجب أن تستفيد منه الأجيال والتجارب الأخرى.

جاءت جولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية بين مرشح الإخوان، ومرشح النظام السابق.

قالت صيحفة نيويورك تايمز عن مرشح النظام السابق:"إنه مشروع حرب أهلية"وهو كان بالفعل كذلك .. لولا أن الله سلّم، ووقى مصر وأهلها.

ونجح مرشح الإخوان .. الدكتور محمد مرسي.

لعبت نشأت الإخوان وتكونيها النفسي دورًا كبيرًا في أداء الرئيس محمد مرسي .. هو جاد، متدين، محب لخدمة بلده، يتمنى لها الخير. لكن هذه ليست السياسة وليس هذا هو واقع مصر .. فبدأ الرئيس عمله بالمصالحة بدلًا من المحاسبة، والمواءمة بدلًا من إقصاء الفاسدين، والتوافق وإرضاء الجميع بدلًا من وضوح الغاية والطريق .. {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} [القلم: 9] .

كانت بطانته لا تعبر عن مشروع إسلامي حقيقي، ولا حتى على توافق فكري منسجم، فكانت مثال لقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَالُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} [آل عمران: 118] .

وجاءت حكومته شركاء متشاكسون .. لا تعبر عن هوية ولا خطة ولا مرحلة، فكانت مرتعشة، متراخية، مترهلة، والنظام السابق ضارب بجذوره في كل مؤسسات الدولة، وبالتالي فإن أي محاولة للإصلاح"دون التطهير التام"هي كمحاولة استنبات البذور في الهواء.

كان الواجب أن يبرأ الرئيس المسلم إلى الله عزوجل في قضية الشريعة ويستعلنها للناس واضحة لا مراء فيها، وأن يبرأ إلى الناس من دولة تتنفس الفساد وتعيشه منذ أكثر من مائة سنة، كان يجب أن يكشف للناس حجم ما يواجه من أهوال، ويقول لهم: يستحيل أن تقوم دولة حقيقية بقوانين النظام السابق، يستحيل أن يتم تطهير الدولة من الفساد بقوانين النظام السابق والنظام السابق الفاسد ضارب بجذوره في كل مكان، وفي كل ضمير .. فإذا الثورة قامت لتدفع الظلم والفساد، فإنها بالطبع ستستهدف النظام الذي حمى الظلم والفساد، وستستهدف الطبقة التي وُلدت ـ مجهولة النسب ـ من رحم الظلم والفساد، ولكن يبدو أن هذه البديهية غابت عن ذهن الكثيرين .. لكنها لم تغب عن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت