أهل الظلم والفساد، فاستحلوا الأموال والدماء من أجل إفشال الثورة من كل طريق! كان يجب أن تكون هناك قوانين واجراءات استثنائية تقتلع جذور الفساد، وتفتك بكل قيادته وخطوط دفاعه بلا أدنى تحرج، وإلا فلماذا قامت ثورة؟! ولماذا راح كل هؤلاء الشهداء؟! ولو خاف من هذا الفعل .. عرضه على الناس، وكشف لهم الحقيقة بالأرقام والأسماء، وقال لهم: هذه دولتكم والأمر إليكم، فماذا تأمرون؟ وأنه لو جاء أحد الخلفاء الراشدين ليحكم مصر بقوانين نظامها الفاسد ما استطاع إصلاحًا.
كان الواجب ـ فيما اعتقد ـ هو"دراسة الحالة المصرية"من كل جوانبها .. من الناحية الاجتماعية: طبيعة المجتمع بعد"فترة الاستبداد"ثم"الثورة". من ناحية القوة: عناصر القوة على الأرض، وأثرها، ومداها .. وكيفية التعاطي معها؟ كـ (الجيش ـ الداخلية ـ الإعلام ـ رؤوس الأموال ـ القضاء ـ رجال النظام السابق .. الخ) . من ناحية الوعي: كيف يتشكل الوعي الجمعي والعوامل المؤثرة فيه ودور الإعلام. من ناحية العدو الخارجي: مدى مرونته وخيوط لعبه. من ناحية النظام السابق: كيفية خلخلته، وتجفيف منابعه. من ناحية العدو الداخلي: كيفية محاصرته، والتربص للإجهاز عليه. من ناحية الاقتصاد والموارد: كيفية الحفاظ عليها، ومدى قدرتها على تسير الدولة في ظروف المواجهة. من ناحية الشارع: كيف يفكر؟ فيما يهتم؟ معاناته اليومية؟ مدى تأيده، والقدرة على حشده. من ناحية المؤامرات: كيفية استكشافها؟ وإفشالها .. والضربة الاستبقائية لها؟ من ناحية الرجال: كيفية اختيار أصحاب القوة والأمانة دون توزيع وتنويع لمختلف الأطياف فهي ليست"حفلة"، فلابد لرجال المواجهة والتطهير والتنفيذ من التجانس والتناسق والانسجام. وقبل هذا كله، من ناحية الشريعة: كيف يُمهد لها الطريق؟ وكيف تُستعلن رايتها؟ ومدى تشبع المجتمع بها وبضرورتها؟
لكن كيف لهذا أن يحدث، ونحن نحسن الظن بعدونا؟! ونتقدم له بالأحضان، فيطلق علينا الرصاص! كيف ونحن نتقدم بالمصالحة لمن قتلنا، ونتقدم بالمواءمة لمن سرق أحلامنا، ونتقدم بالتوافق لمن إذ تمكن منا فتك بنا؟!
وبهذا فلا الشريعة أقمنا، ولا الحياة أدركنا!
واستغل المرجفون في المدينة، وأهل الفتن .. حالة"الدولة الرخوة"، واستخدموا"القوة الناعمة"بكافة عالية للغاية بطريقة منظمة ومُحكمة ومتناسقة .. فانطلقوا كـ"الحُمر المستنفرة"في كل وسائل الإعلام يبتغون الفتنة، ويعبثون بعقول الناس: {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} [التوبة: 47] .. فخلقوا حالة من الفوضى، والهرج .. والهزل، لا تصلح لقيام دولة بعد ثورة! حالة"الدولة الرخوة"هذه ـ في السياسة ـ حالة"خطرة جدًا"إذ تُغري المتربصون بالإنقلاب، وإشاعة الفتن .. وتفكيك الدولة. فالحالة الرخوة تسمح بمزيد من الفتن والإنقلابات والأمراض والانهيار. وحاول الخائنين ـ في داخل مصر وخارجها ـ والمفسدون في الأرض إفشال"تجربة الثورة"برمتها لأنها تُمثل حظوة مهمة من خطوات التغيير، وإفشال الرئيس مرسي تحديدًا لأنه ينتمي"للتيار الإسلامي"حتى ولو لم تقم الشريعة، فمجرد الإنتماء كفيل بإعلان الحرب عليه.
شكلت تلك"القوى الناعمة"مجتمعة .. ضغطًا هائلًا ومؤثرًا على القرارات السياسية، وغلّت يد الرئيس، وأثرت في اختياراته .. وشعرت الحركة الإسلامية أمام"الحُمر المستنفرة من أهل الفتن"أنها متهمة يجب أن تدافع عن نفسها! وهذا خطأ فادح وخطير. ثم كانت فكرة المواءمة والمشاركة .. أحد خطايا الثورة الكبرى، ففي الثورات .. طريق واحد، وهو دومًا عكس النظام الذي ثارت عليه الثورة، أما الارتداد للمشاركة وأخذ الحظ والنصيب من هذه"الحفلة"حتى يفرح الجميع! فهو قطع الطريق على الثورة من الأساس .. و"تذبذب"معناها وقيمتها لدى الجماهير.