كانت هذه نظرة عقدية في بعض مواد الدستور، ولن أتطرق إلى مواده الأخرى، لأنني ـ فقط ـ أتحدث عن الأصل الذي تتفرع عنه الفروع، فإذا كان الأصل والقاعدة مختلًا، فالفروع تتحرك في الفراغ.
أما النظرة الواقعية فأكتفي بقول الباحثة في مؤسسة كارنيغي"مارينا أوتاوي":"المشكلة ليست في محتوى الدستور، وإنما تحفظات العلمانيين في الإجراءات التي كون بها، وعدم توازن المشهد السياسي لصالح الإسلاميين". بمعنى أن الغرب والقوى العلمانية تُقر محتوى الدستور، وأثنت منظمة"هيومن رايتس ووتش"بنيويورك على حذف المادة 68 من المسودة الثانية والتي كانت تنص على:"تلتزم الدولة باتخاذ كافة التدابير التي ترسخ مساواة المرأة مع الرجل، في مجالات الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية وسائر المجالات الأخرى، دون إخلال بأحكام الشريعة الإسلامية."واستُبدلت بالمادة 33 ـ في الدستور الجديد الذي تمت الموافقة عليه بنسبة 63.8% ـ والتي تنص على:"المواطنون لدى القانون سواء؛ وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم في ذلك". وقالت المنظمة إن هذه من التطورات الإيجابية في حقوق المرأة.! كما أن الدستور تم توزيعه حسب القوة المؤثرة على الأرض، فكما قلنا من قبل السياسة لا تتعامل مع الحق والعدل والمنطق، بل تتعامل مع القوة على الأرض، فالجيش حصل على نصيبه من الدستور بمواد حتى لم تكن موجودة في دساتير مصر السابقة، والإخوان حصلوا على مواد البرلمان، والسلفيون حصلوا على المادة الشارحة عديمة القيمة وللعلم فهذه المادة تكاد تتفق مع تفسير المحكمة الدستورية العليا للمادة الثانية، والكنيسة حصلت على مادة تاريخية في هذا الدستور، والتيار العلماني والليبرالي حصل على نصيبه هو الآخر. أي أن الدستور تم التوافق عليه ضمنيًا بين الفواعل الرئيسية على الأرض. أما المعركة القائمة فكان لها أبعاد أخرى.
والآن: ماذا في أيدينا الآن؟
تتحمل القوى الرئيسية في الحركة الإسلامية وزرها كاملًا أمام الله جل وعلا، وأمام الأمة الإسلامية التي طالما انتظرت تلك اللحظة التي تنهض فيها نهضة ربانية .. ونبرأ إلى الله عز وجل مِن كل مَن فرط أو تهاون في قضية إقامة شرعيته وتحقيق عبوديته.
وحتى الآن لم يُكتب لمصر دستورًا إسلاميًا .. ويُفترض كونها إسلامية .. أن دستورها معروف سلفًا وجاء به أعظم نبي للبشرية صلى الله عليه وسلم، ولم يُكتب لمصر بعد حياة كريمة، فالمشكلات تتفجر من كل جانب، والسخط الشعبي يزداد وربما يمر حين من الدهر، ثم يعنلوا إفلاس الحركة الإسلامية وإفشلها لمصر، وأن البديل الآخر الديمقراطي الحر قادم تدعمه الدول الكبرى بحزمة مساعدات اقتصادية لتنجح أي تجربة أخرى غير تلك التي تدعي الإسلام، ولو حتى مجرد إدعاء! لا يقوم على حقيقة.
على أنهم وجدوا في بعض رجالات الحركة الإسلامية ـ للأسف ـ ما يتمنون ويزيد!
ولكن ..
مازال هناك أمل ..
مازال هناك شباب طاهر لم يتدنس بالحزبية ولا بالعصبية ولا بالتبعية ولا بالصنمية لحزبه أو جماعته أو شيخه ..
مازال هناك روح تسري في الأمة، ومازال هناك رغبة صادقة في الحياة الربانية الحضارية النظيفة ..