الصفحة 20 من 25

وهكذا لمّا اندرست معالم التوحيد في أرض الجزيرة وترك الناس ملة الحنيفية خلا نفر قليل، واجتالت الشياطينُ البشرَ فتاهوا بين وثنية جائرة، ومجوسية فاجرة، ويهودية مدمرة، ونصرانية حائرة، (وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلاّ بقايا من أهل الكتاب) [1] . أمست حضارة العرب في حضيض وغدو في شر حال [2] وآذن الناس بهلاك، ولكن اقتضت رحمة الله أن ينبثق فجرٌ وأن يُبعث رسولٌ يخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم ويهديهم إلى صراط مستقيم:

لمّا أطل محمدٌ زكت الربى واخضر في البستان كل هشيم

فألف الله به بين الشمل وجمع به بين القلوب وعصم به من كيد الشيطان.

واقتضت حكمته أن تكون أرض النبوة الخاتمة والرسالة العالمية الخالدة هي أرض الجزيرة العربية. ليبلغ أهلها رسالة ربهم إلى الناس كافة"فالعرب هم حملة شريعة الإسلام إلى سائر المخاطبين بها .. لأنهم يومئذ قد امتازوا من بين سائر الأمم باجتماع صفات أربع لم تجتمع في التاريخ لأمة من الأمم، وتلك هي: جودة الأذهان، وقوة الحوافظ، وبساطة الحضارة والتشريع، والبعد عن الاختلاط ببقية أمم العالم. فهم بالوصف الأول: أهل لفهم الدين وتلقيه. وبالوصف الثاني: أهل لحفظه، وعدم الاضطراب في تلقيه. وبالوصف الثالث: أهل لسرعة التخلق بأخلاقه، إذ هم أقرب إلى الفطرة السليمة ... وبالوصف الرابع: أهل لمعاشرة بقية الأمم، إذ لا حزازات بينهم وبين الأمم الأخرى" [3] .

ومن رعاية الله لهذه الجزيرة وأهلها أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمت حتى فتح الله عليه سائرها.

ومن عناية النبي صلى الله عليه وسلم بها أنها كانت وصيته قبل موته عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:".. وأوصى عند موته بثلاث أخرجوا المشركين من جزيرة العرب .." [4]

(1) جزء من حديث عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه وهو عند مسلم برقم 2865.

(2) عن المقداد بن الأسود رضي الله عنه قال:"لقد بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم على أشد حال بعث عليها نبي من الأنبياء في فترة وجاهلية ما يرون أن دينا أفضل من عبادة الأوثان فجاء بفرقان فرق به بين الحق والباطل"رواه الإمام أحمد في المسند 2684 ومن الميمنية 6/ 3، ورجاله ثقات قال ابن كثير في التفسير 3/ 331 وهذا إسناد صحيح ولم يخرجوه. وساقه الطبري بسنده في التفسير 19/ 53 من رواية محمد بن إسماعيل بن عياش عن أبيه، وراه ابن حبان في صحيحه 14/ 489 والطبراني في المعجم الكبير 20/ 253، والبخاري في الأدب المفرد 1/ 44.

(3) خصائص جزيرة العرب ص 61، للشيخ بكر أبو زيد. مع اختصار يسير.

(4) صحيح البخاري كتاب الجهاد والسير باب هل يستشفع إلى أهل الذمة رقم 3053.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت