مخيطين من أجل شيءٍ واحد؛ من أجل أن يكون الناس كلهم سواسيةً في نظر الله عزَّ وجل وهم كذلك، لذلك فلا فرق بين الكبير والصغير، ولا الغني والفقير، الكل عند الله سواء، كأن الله يُشعرك أن يا عبدي هناك رحلةٌ أخيرة تُنزَع منك كل هذه الأقنعة المُزَيِّفة، فالمال تتركه والجاه والأهل تتركهم، وكذا الزوجة والأولاد، وكل الميزات التي تنعم بها في بلدك لا بدَّ من التخلِّي عنها،
إذن كأن الحج هو رحلتك قبل الأخيرة إلى الله تعالى!!!!
ففي الرحلة الأخيرة تدَع كل شيء بلا عودة، إنها مغادرةٌ بلا عودة، لكن الرحلة قبل الأخيرة، تكون المغادرةٌ موقوتةٌ مع العودة، فمن أجل التدرُّب على الرحلة الأخيرة التي لا عودة فيها فدع عنك الدنيا قبل أن تدَعَك، دعها عنك قبل أن تدعك هي، وتخلَّ عنها قبل أن تتخلى عنك، إعرفْ حقيقتها قبل أن تصطدم بها، هذا هو حجمك، عبدٌ ضعيفٌ فقيرٌ، أشعث أغبر ذو طِمرين يقف على أرض الله الواسعة في الموقف في عرفات، أو حول البيت الحرام، أو بين الصفا والمروة، عبد حجمك صغيرٌ، وشأنُك حقير، فهذا الحج إن صح التعبير يُحَجِّمُ الإنسان، يريه حقيقته كما قال الله عزَّ وجل في سورة الأنعام:
وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ
لقد تركت هموم المعاش، وتجشَّمت مشاقّ السفر، وخلعت عنك كل الزينة، هذه كلها تمهيدات لإِحكام الصلة بينك وبين الله، لأن الإنسان قد يصلي في بلده، قد يصلي صلاةً شكلية، ويعيقه عن هذه الصلاة همومه، ومشكلاته، أو دنياه، وقد يُعيقه ماله، أو جاهه، فالله عزَّ وجل أعانك على نفسك في الحج، وقال لك: تعالَ إليّ لأحُطَّ عنك ذنوبًا أثقلت ظهرك، لذلك"إذا رجع العبد إلى الله عزَّ وجل نادى منادٍ في السماوات والأرض أن هنئوا"