غير توجيه ولا إرشاد، حتى يحق عليها القول من رب العباد، (( فدمرناها
تدميرا )) ، الإسراء، (16) .
وهؤلاء وأشباههم وقعوا في فعل أسلافهم ممن قال الله فيهم:
(( لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما
عصوا وكانوا يعتدون (78) كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون)،
المائدة. 78، 79. وكفى بها رادعًا وزاجرًا للمعرضين تمامًا عن الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر.
والصواب والحق والعدل من يسلك الطريق الوسط بين الغالي والجافي، فهو ليس مع
الغلاة، ولا مع الجفاة، فريق وسط في كل شأنه، يعطي كل ذي حق حقه، وهؤلاء هم
أهل العلم والإيمان من السلف والخلف.
ومنهج الإسلام في كل شيء وسط بين الإفراط والتفريط، قال الله تعالى:
(( وكذلك جعلناكم وسطًا ...."(البقرة 143) ."
فالوسطية مطلب شرعي يجب الأخذ به في جميع مناحي الحياة حتى لا نقع في إحدى
السوءتين، إما الإفراط أو التفريط.
فمن احتاج من إخواننا إلى النصح أهدينا إليه النصيحة بقدر ما يحتاج إليها مراعين
في ذلك شروطها وآدابها من الإخلاص لله، والعلم، والتجرد من حظوظ النفس عند
البحث عن الحق، والحرص على حفظ المكانة العلمية والاجتماعية للمنصوح بعيدًا
عن النوايا الخبيثة لإسقاطه من أعين الناس ونزع الثقة منه.
وكذلك من الآداب في النصح عدم استخدام الغلظة والعنف في الأقوال والأفعال التي
قد تتسبب في جرح المشاعر وإيغال الصدور بالحقد والبغضاء.
والوسطية منهج واضح بين لا يزيغ عنه إلاّ هالك في غلوه أو جفاءه، فأما الهالك في
غلوه فلشبهة في عقله أو شهوة في نفسه.
فأما الشبهة فهي أن تصيد الأخطاء عندهم نقد بناء، لاحرج فيه ولا عليهم منه لومة
لائم، وذلك ظنهم الذي أرداهم فأصبحوا خاسرين نادمين منشقين على بعضهم.
ومثل هذه الشبهة الهزيلة البين عورها قد علقت وعشعشت في عقول أصحابها ردحًا
من الزمن حتى أصابها العفن وأفرزت لهم المحن والفتن.
فمن المحن والفتن التي جلبتها عليهم قلوبهم السقيمة أنهم نصبوا أنفسهم قضاة على
نوايا الناس وتصرفاتهم، فيقولون رجمًا بالغيب وعملًا بالريب أنهم ما قصدوا إلاّ كذا
وكذا، من غير دليل ولا برهان إلاّ اتباع الهوى والشيطان، فيحكمون لهذا بالنجاة
وعلى ذاك بالهلاك، وهذا بالصواب وذاك بالضلال.
وأيضًا جعلوا من أنفسهم رجال زمانهم في الجرح والتعديل، وأهل لنقد وتصحيح كلام
العلماء والرد عليهم كما زعموا كذبًا وحسدا ً من عند أنفسهم، وكان الواجب عليهم
أن ينشغلوا بعيوب أنفسهم عن عيوب غيرهم لإصلاحها ونجاتها في الدنيا والآخرة
، والتوبة مما هم عليه من الردود الرديئة والألفاظ البذيئة، ومن النشرات الخبيثة