فمضى ولم يكلمها، ثم وقفت له بعد ذلك على طريق منزله، فقالت له مثل ما قالت في المرة الأولى، فأطرق، وقال لها: هذا موقف تهمةٍ وأنا أكره أن أكون للتهمة موضعًا. فقالت: والله ما وقفتُ موقفي هذا جهالةً مني بأمرك، وأنتم معشرَ العبَّاد مثلُ القوارير أدنى شيء يَعيبه، وجملة ما أقولُ لك أن جوارحي كلَّها مشغولةٌ بك، فالله .. الله في أمري وأمرك.
قال: فمضى الشاب إلى منزله وأراد أن يصلي فلم يعقل صلاته، فأخذ قرطاسًا وكتب كتابًا ثم خرج إليها وألقاه عليها ثم رجع.
وفتحت الكتاب وإذا فيه:"بسم الله الرحمن الرحيم .. اعلمي أيتها المرأةُ أنَّ الله تبارك وتعالى إذا عُصيَ حَلُمَ، فإذا عاود العبدُ المعصيةَ ستر، فإذا لبس لها ملابسها ـ أي حرص عليها وسعى إليها ورغب فيها ـ غضب الجبار لنفسه غضبةً تضيقُ منها السموات والأرض والجبال والشجر والدواب، فمن ذا الذي يطيق غضبه وسخطه وعقوبته؟!"
فإن كان ما ذكرتِ باطلًا ـ يعني من شأن المحبة له ـ فإني أذكِّرك: {يوم تكون السماء كالمهل وتكون الجبال كالعهن} [1] وتجثو الأمم لصولة الجبار العظيم، وإني ـ والله ـ قد ضَعُفتُ عن إصلاح نفسي فكيف بصلاح غيري؟!
وإن كان ما ذكرت حقًَّا فإني أدلُّكِ على طبيب القلوب المريضة وشفاء النفوس السقيمة، ذلك الله ربُّ العالمين، فاقصديه بصدق، فإني متشاغل عنك بقوله سبحانه: {وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميمٍ ولا شفيعٍ يُطاع يعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور والله يقضي بالحق} [2]
فأين المهرب من الله؟!
ثم جاءت بعد ذلك بأيام، فوقفت في طريقه، فلما رآها من بعيد أراد الرجوع لئلا يراها، فقالت: يا فتى لا ترجع، فلا كان الملتقى بعد هذا أبدًا إلا بين يدي رب العالمين، وبكت بكاء مرًّا، ثم قال: أسأل الله عز وجل الذي بيده مفاتيح القلوب أن يُسهِّل ما قد عَسُر من أمرك، ثم قالت: امنُن عليَّ بموعظةٍ منك أحملها عنك. فقال لها: أوصيكِ بحفظ نفسِك من نفسك، وأذكِّرك قوله سبحانه: {وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار} [3]
فذهبت وهي تقول:
لألبسنَّ لهذا الأمر مَدرَعةً ... ولا ركنتُ إلى لذَّات دنيايا
ثم لَزِمت بيتَها فأخذت في العبادة، فكانت إذا فترت وضَعُفت فيها، تأتي بكتابه وتضعه على عينها، وتدعو الله الثبات، وتدعو:
يا وارثَ الأرضِ هب لي منك مغفرةً ... وحُلَّ عني هوى ذا الهاجر الداني
وانظر إلى خَلَّتي يا مُشتكى حزني ... بنظرةٍ منك تجلو كُلَّ أحزاني" [4] "
فلا يكن قلبك لغير ربك!
(1) المعارج: 7
(2) غافر: 18
(3) الأنعام: 60
(4) الموعد الجنة ـ إبراهيم بن عبد الله الحازمي ـ بتصرف.