الصفحة 9 من 24

* والسببُ الذي أورد الشبابَ العطبَ وأشغلهم بهذا الحب: أنَّ قلوبهم تعلقت بغير ربهم، وتشوفت لغيره، وتشوقت لسواه، فباؤوا بخسران عظيم.

وعندما خليَ القلب من محبة الرب، سكنه العشق الشيطاني والحب الشهواني، فإن خفافيش الليل لا تسكن إلاَّ كلَّ مهجور، وجرذان الظلام لا تدور في المسكن المعمور ..

كلٌّ بحسبه، فمستقلٌ ومستكثر، ومستقبل ومستدبر، ومسترسل ومستقصر ..

قال تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحبِّ الله والذين آمنوا أشدُّ حبًا لله .. } [1]

ووالله الذي لا إله غيره ولا ربَّ سواه؛ لو امتلأت قلوبنا بمحبة ربنا وبمحبة ما يحبُّه خالقنا لما كان فيها متسع لمن هم دون الرحمن، فإن النهار يطرد الليل، والنور لا يجتمع مع الظلام ..

فأين أنت أيها الشاب عن محبة ربِّ الأرباب؟! أرضيت بأن يمتلئ قلبك بغير محبة ربك؟!

يا عاشق القدِّ والخدِّ .. كيف طابت نفسُك أن تجعل لله الدون من قلبك؟!

ووالله ما تعلقت القلوب بغيره إلاَّ باءت بهوانٍ وذلَّة وخسران وقلة، وما تعلقت القلوب بعلاَّم الغيوب إلاَّ أغناها من بعد فقر، وجبرها من بعد كسر، وآمنها من بعد خوف، وآواها من بعد وحشة.

كذلك الحب لا إتيانُ معصية ... لا خير في لذة من بعدها سَقَرُ

{أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلةَ أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه .. } [2]

عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم:"قال الله عزَّ وجلَّ: من عادى لي وليًَّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتَّى أحبَّه، فإذا أحببته كنتُ سمعَه الذي يسمع به، وبصرَه الذي يبصرُ به، ويده التي يبطش بها، ورجلَه التي يمشي بها، وإِن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنه ..." [3]

تأمل ـ أيها الحبيب ـ حال الحبيب محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ كيف كان!

كان يعاني من سكرات الموت وكُرُباته، فتراه ابنته فاطمة ـ رضي الله عنها ـ فلا تملك إلا أن تقول بصوت محزون مقتول: وا كرب أبتاه! وا كرب أبتاه!

فيقول لها: لا كرب على أبيك بعد اليوم.

يخيره ربه ـ سبحانه ـ بين الخلد في الدنيا ثم الجنة وبين لقاء الله والجنة ..

فيكون الجواب بالحال في الحال: يرفع سبَّابته إلى السماء!

(1) البقرة: 165

(2) الأسراء: 57

(3) صحيح البخاري (7/ 243) (6502) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت