ويكون الجواب بالمقال: بل الرفيق الأعلى .. بل الرفيق الأعلى!
والله لو أنَّك توَّجتني ... بتاجِ كسرى ملِكِ المشرقِ
ولو بأموال الورى جُدتَ لي ... أموال من بادَ ومن قد بقي
وقلتَ لي لا نلتَقي ساعةً ... اخترتُ يا مولايَ أن نلتقي
وكيف لا يحرص على اللقاء، وقد أخبره ربه بمنزلته عنده، بقوله: {فإنك بأعيننا} [1]
هذا حال الإمام .. فما حال المؤذن؟
بلال .. وأينا كبلال ـ رضي الله عنه؟!
كان يجود بنفسه بعد أن تصرَّمت أيامه وانقضت أعوامه: وكانت تقول له زوجه: واكرباه!
فيقول: لا كرب .. غدًا ألقى الأحبة .. محمدًا وصحبه.
وانظر إلى ذلك الفدائي المبارك؛ خبيب بن زيد ـ رضي الله عنه ـ يُحيطُ به أعداؤه، ثم يُرفع ليوضع على خشبة الصّلبِ ليُذبح بحرابهم ويُطعن برماحهم، فلا يزيد على قوله لهم:
ولستُ أبالي حين أقتلُ مسلمًا ... على أيِّ جنبٍ كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شِلو ممزَّع
وانظر ـ رعاك مولاك ـ إلى حال التلميذ الذي درس في مدرسة معلم الأجيال ومربي الرجال ـ صلى الله عليه وسلم ـ حرام بن ملحان ـ رضي الله عنه.
يُطعن بالرمح من خلفه حتى ينفذ من بطنه .. فيفرغ الدم على وجهه ويقول: فزتُ وربِّ الكعبة ..
فزتُ ورب الكعبة!
إنه الحب الذي يترفع عن الشهوات، ويسمو فوق الدنايا، و تزكو به النفوس، وتطيب به الحياة ..
فهنيئًا لهم وسعدًا!
{إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا} [2]
وتَبًا وسُحقًا وبُعدًا!
لمن حُرِمَ محبة الرحمن، وطُرد منها طردًا!
عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم:"ثلاث من كنَّ فيه وجد بِهنَّ حلاوة الإيمان ـ وفي لفظ ـ لا يجد عَبدٌ طعم الإيمان إلاَّ من كان في قلبه ثلاث خصال: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلاَّ لله، وأن يكره أن يرجع إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار" [3]
فيا حسرة القلوب عندما تشتت في كل واد وتمزقت في كل ناد!
(1) الطور: 48
(2) مريم: 96
(3) صحيح البخاري (1/ 60) و صحيح مسلم (1/ 68) (43) ..