أقول لمن ابتلي بالعشق والغرام .. عليك بأمور:
أولها: لا ترض بالدون، ولا تقنع بالقليل، فإنهما محبتان؛ إما أن تُحب الله تعالى، وتشتاق إلى لقائه، والقرب منه، وإما أن تحب غيره مما هو في غاية الحقارة والهوان، فالإنسان عبدُ محبوبِه كائنًا من كان.
أنت القتيل بكل من أحببته ... فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي
فمن لم يكن إلُهه خالقُه ومالكُه ومولاه .. فإلهه هواه!
{أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون} [1]
عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال يوم خيبرَ:"لأُعطينَّ الرايةَ غدًا رجلًا يُحبُّ اللهَ ورسولَهُ، ويُحِبُّهُ اللهُ ورسولُهُ يفتَحُ الله على يديه"قال عمر بن الخطَّاب ـ رضي الله عنه: ما أحببتُ الإمارةَ إلاَّ يومئذٍ، قال: فتساورتُ لها رجاء أن أُدعَى لها.
قال: فباتَ النَّاسُ يدوكون ليلَتهم أيُّهم يُعطاها؟ فلما أصبح النَّاسُ غدَوا على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كلُّهم يرجو أن يُعطاها، فقال: أين عليُّ بن أبي طالب؟ فقيل: هو يا رسولَ الله يشتكي عينَيه. قال: فأرسَلوا إليه فأتى به فبصقَ رسولُ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في عينيه ودعا له، فبرَأَ حتى كأن لم يكن به وجَعٌ، فأعطاهُ الرايةَ.
إذًا هو علي .. من طلَّق الدنيا ثلاثًا .. فما غرَّته ولا ضرَّته .. لأنه بذلها مهرًا لرضوان الله والجنة.
وقال له:"امش ولا تلتفت حتى يفتَحَ الله عَليكَ"
قال: فسار عليٌّ شيئًا ثم وقف ولم يلتَفِت، فصرخ: يا رسولَ الله على ماذا أقاتِلُ النَّاس؟
أتأملت ـ أيها الحبيب ـ بماذا استحق عليٌّ هذا الوسام الغالي؟! أرأيت الطاعة كيف تكون؟ ألمست الاستسلام؟! أوقفت على الانقياد .. ؟!
قال:"وقف ولم يلتفت".. لأنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال له:"امش ولا تلتفت .."
إنها الطاعة المطلقة لله ولرسوله في كل الحركات والسكنات ..
إنه الحب الذي جعل يستلم زمام القلب ويمتلك الجوارح
شرط المحبَّة أن توافق من تحبُّ ... على محبته بلا عصيان
فإذا ادَّعيت له المحبة مع ... خلافك ما يحب فأنت ذو بهتان
قال:"قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسولُ الله" [2]
"قال أحمد بن سعيد العابد: كان عندنا بالكوفة شاب يتعبَّد في المسجد، لا يكاد يخرج منه، وكان حسنَ الوجه والقامة والسَّمت، فنظرت إليه امرأة ذات جمال وكمال، فَشُغِفَت به، وطال ذلك عليها، فلما كان في يوم وقفت له على طريقه، وهو يريد المسجد، فقالت له: يا فتى اسمع مني كلمات أكلمك بها ثم اعمل ما شئتَ،"
(1) الجاثية: 23
(2) صحيح البخاري (5/ 91) (4210) و صحيح مسلم (4/ 1491) (2405) .