إلى غير ذلك من الآيات الواردة في فضْلِ العلم وأهْلِه.
ثانيا: من السِّنُّة النبوية، فما أكثر الأحاديث الواردة في سُنَّة النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في فضل العلم! ومنها:
1 -قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ، مَلْعُونٌ مَا فِيهَا، إِلَّا ذِكْرَ اللَّهِ، وَمَا وَالَاهُ، أَوْ عَالِمًا، أَوْ مُتَعَلِّمًا ) ) [1] .
2 -وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهُدَى وَالعِلْمِ، كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ، قَبِلَتِ المَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الكَلَأَ وَالعُشْبَ الكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ، أَمْسَكَتِ المَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لاَ تُمْسِكُ مَاءً وَلاَ تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ ) ) [2] .
قال ابن القيم- معلقا على هذا الحديث-:
شَبَّهَ- صلى الله عليه وسلم- الْعلم وَالْهدى الَّذِي جَاءَ بِهِ بالغيث لما يحصل بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا من الْحَيَاة والنافع والاغذية والأدوية وَسَائِر مصَالح الْعباد فَإِنَّهَا بِالْعلمِ والمطر وَشبه الْقُلُوب بالأراضي الَّتِي قع عَلَيْهَا الْمَطَر لأنها الْمحل الَّذِي يمسك المَاء فينبت سَائِر أنواع النَّبَات النافع كَمَا أن الْقُلُوب تعي الْعلم فيثمر فِيهَا ويزكو وَتظهر بركته وثمرته.
ثمَّ قسم النَّاس إلى ثَلَاثَة اقسام بِحَسب قبولهم واستعدادهم لحفظه وَفهم مَعَانِيه واستنباط أحكامه واستخراج حكمه وفوائده:
أحدها: أهل الْحِفْظ والفهم الَّذين حفظوه وعقلوه وفهموا مَعَانِيه واستنبطوا وُجُوه الأحكام وَالْحكم والفوائد مِنْهُ فَهَؤُلَاءِ بِمَنْزِلَة الأرض الَّتِي قبلت المَاء وَهَذَا بِمَنْزِلَة الْحِفْظ فأنبتت الْكلأ والعشب الْكثير وَهَذَا هُوَ الْفَهم فِيهِ والمعرفة والاستنباط فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَة إنبات الْكلأ والعشب بِالْمَاءِ فَهَذَا مثل الْحفاظ الْفُقَهَاء أهل الرِّوَايَة والدراية.
الْقسم الثَّانِي: أهل الْحِفْظ الَّذين رزقوا حفظه وَنَقله وَضَبطه وَلم يرزقوا تفقها فِي مَعَانِيه وَلَا استنباطا وَلَا استخراجا لوجوه الحكم والفوائد مِنْهُ فهم بِمَنْزِلَة من يقرا الْقُرْآن ويحفظه ويراعي حُرُوفه وإعرابه وَلم يرْزق فِيهِ فهما خَاصّا عَن الله كَمَا قَالَ على ابْن ابي طَالب رضى الله عَنهُ"إِلَّا فهما يؤتيه الله عبدًا فِي كِتَابه" [3] وَالنَّاس متفاوتون فِي الْفَهم عَن الله وَرَسُوله أعظم تفَاوت فَرب شخص يفهم من النَّص حكمًا اَوْ حكمين وَيفهم مِنْهُ الآخر مائَة اَوْ مِائَتَيْنِ فَهَؤُلَاءِ بِمَنْزِلَة الأرض الَّتِي
(1) - رواه الترمذي (2322) وقال: «حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ» ورواه ابن ماجة (4112) واللفظ له .. وحسنه الألباني.
(2) - رواه البخاري (79) ومسلم (2282) عن أبي موسى الأشعري
(3) - رواه البخاري (111) و مسلم (1370) والنسائي (4744) وغيرهم.