الصفحة 12 من 72

أمسكت المَاء للنَّاس فانتفعوا بِهِ هَذَا يشرب مِنْهُ وَهَذَا يسقى وَهَذَا يزرع، فَهَؤُلَاءِ القسمان هم السُّعَدَاء والأولون أرْفَعْ دَرَجَة وأعلى قدرًا وَذَلِكَ فضل الله يؤتيه من يَشَاء وَالله ذُو الْفضل الْعَظِيم.

الْقسم الثَّالِث: الَّذين لَا نصيب لَهُم مِنْهُ لَا حفظا وَلَا فهما وَلَا رِوَايَة وَلَا دراية بل هم بِمَنْزِلَة الأرض الَّتِي هِيَ قيعان لَا تنْبت وَلَا تمسك المَاء وَهَؤُلَاء هم الأشقياء. أهـ [1]

3 -وقال صلى الله عليه وسلم: (( مَن سلَك طريقًا يطلب فيه علْمًا، سلك الله - عز وجل - به طريقًا مِن طرُق الجنَّة، وإن الملائكة لَتَضَعُ أجنحتها [2] رضًا لطالب العلم، وإن العالِم ليستغفر له مَن في السموات، ومن في الأرض، والحيتان في جوف الماء، وإنَّ فضْلَ العالِم على العابد كفَضْل القمر ليلة البدْر على سائر الكواكب، وإنَّ العُلماء ورثة الأنبياء، وإنَّ الأنبياء لَم يُوَرِّثوا دينارًا، ولا درهمًا، وَرَّثُوا العلم، فمَنْ أخذَهُ أخَذَ بحظٍّ وافِر ) ) [3] .

وفي هذا الحديث بيان أن العلم طريق إلى الجنة، وفيه فضيلة علماء هذه الأمة؛ فإنهم إذا قاموا مقام نبيِّهم - عليه الصلاة والسلام - في الدعوة إلى الله، وفي العبادة، وفي كلِّ الخِصال، يكونون حينئذٍ وارثي محمد - صلى الله عليه وسلم - ولو لَم يكُن من فضل العلم إلا هذا لَكَفَى به فخْرًا، ولكان الإنسانُ يبذل فيه عقْله وفِكْره وماله وحياته، فخيْرٌ لك مِن كُلِّ الدنيا وما فيها أن تكونَ وارثًا لسيد المرْسلين في هذه الأمة العظيمة.

4 -وقال - صلى الله عليه وسلم: (( مَن يُرِدِ الله به خيرًا يُفقِّهْه في الدين ) ) [4] .

قال ابن حجَر - رحمه الله - في"الفتح": ومفهوم الحديث أنَّ مَن لَم يَتَفَقَّه في الدِّين - أي: يتعلم قواعد الإسلام، وما يتَّصل بها من الفروع - فقد حُرِم الخيْرَ، وقد أخرج أبو يعلى حديث معاوية من وجْهٍ آخر ضعيف، وزاد في آخره: (( ومن لَم يتفقه في الدين لَم يبالِ الله به ) )،المعنى صحيح؛ لأنَّ مَن لَم يعرف أمور دينه لا يكون فقيهًا، ولا طالب فقْه، فيصح أن يوصفَ بأنه ما أريد به الخير، وفي ذلك بيان ظاهِر لِفَضْل العلماء على سائر الناس، ولِفَضْل التفَقُّه في الدين على سائر العلوم. اهـ [5] .

وقال سماحة الشيخ ابن باز - رحمه الله: مَن حُرِم الفقه في الدين، وصار مع الجهَلة والضالِّين عن السبيل، المعْرِضين عن الفقه في الدِّين، وعن تعلُّم ما أوْجَبَ الله عليه، وعن البصيرة فيما حرَّم الله عليه، فذلك منَ الدلائل على أن الله لَم يُرِدْ به خيرًا، وقد وصَف الله الكفَّار بالإعراض عما خُلِقوا له، وعما أُنذروا به، تنْبيهًا لنا

(1) -. مفتاح دار السعادة (1/ 61) ط: دار الكتب العلمية - بيروت

(2) - قال الخطابي: في معنى وضعها أجنحتها ثلاثة أقوال:

أحدها: أنه بسط الأجنحة. ــــــــــ الثاني: أنه بمعنى التواضع لطالب العلم.

الثالث: أن المراد به النزول عند مجالس العلم وترك الطيران. أهـ مختصر منهاج القاصدين (ص: 5، 6)

(3) - أبو داود (3641) وابن أبي شيبة في مصنفه (1/ 55 رقم 47) وأحمد (21714) وقال الأرنؤوط: حسن لغيره. وصححه الألباني.

(4) - رواه البخاري (71) ومسلم (1037)

(5) - فتح الباري لابن حجر (1/ 165) ط: دار المعرفة - بيروت، 1379

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت