الصفحة 4 من 72

** الفرق بين العلم والمعرفة:

والتحقيق أن من فسَّر العلم بالمعرفة قد قصَّر في ذلك إذ المعرفة أخص من العلم ولا شك بجود فرق بين العلم و المعرفة فالعلم نقيضه الجهل أما المعرفة فنقيضها الإنكارَقَالَ تَعَالَى: {وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} [1] .

قال العسكري: الْمعرفَة أخص من الْعلم لِأَنَّهَا علم بِعَين الشَّيْء مفصلا عَمَّا سواهُ وَالْعلم يكون مُجملًا ومفصلًا ... وقال: فَكل معرفَة علم وَلَيْسَ كل علم معرفَة وَذَلِكَ أَن لفظ الْمعرفَة يُفِيد تَمْيِيز الْمَعْلُوم من غَيره وَلَفظ الْعلم لَا يُفِيد ذَلِك إِلَّا بِضَرْب آخر من التَّخْصِيص فِي ذكر الْمَعْلُوم، وَالشَّاهِد: قَول اهل اللُّغَة إِن الْعلم يتَعَدَّى إلى مفعولين لَيْسَ لَك الِاقْتِصَارعلى أَحدهمَا إِلَّا أَن يكون بِمَعْنى الْمعرفَة كَقَوْلِه تَعَالَى: {لَا تَعْلَمُونَهُم الله يعلمهُمْ} [2] أَي لَا تعرفونهم الله يعرفهُمْ أهـ [3]

وقال ابن القيم:

وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ لَفْظًا وَمَعْنًى، أَمَّا اللَّفْظُ: فَفِعْلُ الْمَعْرِفَةِ يَقَعُ عَلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، تَقُولُ: عَرْفْتُ الدَّارَ، وَعَرَفْتُ زَيْدًا، قَالَ تَعَالَى: {فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} [4] ... ، وَقَالَ: {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} [5] .

وَفِعْلُ الْعِلْمِ يَقْتَضِي مَفْعُولَيْنِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ} [6] وَإِنْ وَقَعَ عَلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، كَانَ بِمَعْنَى الْمَعْرِفَةِ، كَقَوْلِهِ: {وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} [7] .

وَأَمَّا الْفَرْقُ الْمَعْنَوِيُّ فَمِنْ وُجُوهٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّ الْمَعْرِفَةَ تَتَعَلَّقُ بِذَاتِ الشَّيْءِ، وَالْعِلْمَ يَتَعَلَّقُ بِأَحْوَالِهِ، فَتَقُولُ: عَرَفْتُ أَبَاكَ، وَعَلِمْتُهُ صَالِحًا عَالِمًا، وَلِذَلِكَ جَاءَ الْأَمْرُ فِي الْقُرْآنِ بِالْعِلْمِ دُونَ الْمَعْرِفَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} [8] ... ، وَقَوْلِهِ: {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [9] ، وَقَوْلِهِ: {فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ} [10] ... .

فَالْمَعْرِفَةُ: حُضُورُ صُورَةِ الشَّيْءِ وَمِثَالِهِ الْعِلْمِيِّ فِي النَّفْسِ، وَالْعِلْمُ: حُضُورُ أَحْوَالِهِ وَصِفَاتِهِ وَنِسْبَتِهَا إِلَيْهِ، فَالْمَعْرِفَةُ: تُشْبِهُ التَّصَوُّرَ، وَالْعِلْمُ: يُشْبِهُ التَّصْدِيقَ.

الثَّانِي: أَنَّ الْمَعْرِفَةَ فِي الْغَالِبِ تَكُونُ لِمَا غَابَ عَنِ الْقَلْبِ بَعْدَ إِدْرَاكِهِ، فَإِذَا أَدْرَكَهُ قِيلَ: عَرَفَهُ، أَوْ تَكُونُ لِمَا وُصِفَ لَهُ بِصِفَاتٍ قَامَتْ فِي نَفْسِهِ، فَإِذَا رَآهُ وَعَلِمَ أَنَّهُ الْمَوْصُوفُ بِهَا، قِيلَ: عَرَفَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ

(1) - يوسف: 58

(2) - الأنفال: 60

(3) - الفروق اللغوية لأبي هلال الحسن العسكري ص:80

(4) -يوسف: 58

(5) - البقرة: 146

(6) - الممتحنة: 10

(7) - الأنفال: 60

(8) -محمد: 19

(9) -المائدة: 98

(10) -هود: 14

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت