يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ [1] ، وَقَالَ تَعَالَى: {وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} [2] ... ، وَقَالَ: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} [3] ... لَمَّا كَانَتْ صِفَاتُهُ مَعْلُومَةً عِنْدَهُمْ، فَرَأَوْهُ: عَرَفُوهُ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ، وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لِآخِرِ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا: أَتَعْرِفُ الزَّمَانَ الَّذِي كُنْتَ فِيهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: تَمَنَّ، فَيَتَمَنَّى عَلَى رَبِّهِ» وَقَالَ تَعَالَى: {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} [4] ... فَالْمَعْرِفَةُ: تُشْبِهُ الذِّكْرَ لِلشَّيْءِ، وَهُوَ حُضُورُ مَا كَانَ غَائِبًا عَنِ الذِّكْرِ، وَلِهَذَا كَانَ ضِدَّ الْمَعْرِفَةِ الْإِنْكَارُ، وَضِدَّ الْعِلْمِ الْجَهْلُ، قَالَ تَعَالَى: {يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا} [5] وَيُقَالُ: عَرَفَ الْحَقَّ فَأَقَرَّ بِهِ، وَعَرَفَهُ فَأَنْكَرَهُ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ مِنَ الْفَرْقِ: أَنَّ الْمَعْرِفَةَ تُفِيدُ تَمْيِيزَ الْمَعْرُوفِ عَنْ غَيْرِهِ وَالْعِلْمَ يُفِيدُ تَمْيِيزَ مَا يُوصَفُ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ، وَهَذَا الْفَرْقُ غَيْرُ الْأَوَّلِ، فَإِنَّ ذَاكَ يَرْجِعُ إِلَى إِدْرَاكِ الذَّاتِ وَإِدْرَاكِ صِفَاتِهَا، وَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى تَخْلِيصِ الذَّاتِ مِنْ غَيْرِهَا، وَتَخْلِيصِ صِفَاتِهَا مِنْ صِفَاتِ غَيْرِهَا.
الْفَرْقُ الرَّابِعُ: أَنَّكَ إِذَا قُلْتَ: عَلِمْتُ زَيْدًا، لَمْ يُفِدِ الْمُخَاطَبَ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ يَنْتَظِرُ بَعْدُ: أَنْ تُخْبِرَهُ عَلَى أَيِّ حَالٍ عَلِمْتَهُ؟ فَإِذَا قُلْتَ: كَرِيمًا أَوْ شُجَاعًا، حَصَلَتْ لَهُ الْفَائِدَةُ، وَإِذَا قُلْتَ: عَرَفْتُ زَيْدًا. اسْتَفَادَ الْمُخَاطَبُ، أَنَّكَ أَثْبَتَّهُ وَمَيَّزْتَهُ عَنْ غَيْرِهِ، وَلَمْ يَبْقَ مُنْتَظِرًا لِشَيْءٍ آخَرَ، وَهَذَا الْفَرْقُ فِي التَّحْقِيقِ إِيضَاحٌ لِلْفَرْقِ الَّذِي قَبْلَهُ.
الْفَرْقُ الْخَامِسُ- وَهُوَ فَرْقُ الْعَسْكَرِيِّ فِي فُرُوقِهِ وَفُرُوقِ غَيْرِهِ-: أَنَّ الْمَعْرِفَةَ عِلْمٌ بِعَيْنِ الشَّيْءِ مُفَصَّلًا عَمَّا سِوَاهُ، بِخِلَافِ الْعِلْمِ فَإِنَّهُ قَدْ يَتَعَلَّقُ بِالشَّيْءِ مُجْمَلًا، وَهَذَا يُشْبِهُ فَرْقَ صَاحِبِ الْمَنَازِلِ، فَإِنَّهُ قَالَ: الْمَعْرِفَةُ إِحَاطَةٌ بِعَيْنِ الشَّيْءِ كَمَا هُوَ، وَعَلَى هَذَا الْحَدِّ: فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُعْرَفَ اللَّهُ أَلْبَتَّةَ، وَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ هَذَا الْبَابُ بِالْكُلِّيَّةِ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَا يُحَاطُ بِهِ عِلْمًا، وَلَا مَعْرِفَةً وَلَا رُؤْيَةً، فَهُوَ أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ وَأَجَلُّ وَأَعْظَمُ، قَالَ تَعَالَى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [6] ... بَلْ حَقِيقَةُ هَذَا الْحَدِّ: انْتِفَاءُ تَعَلُّقِ الْمَعْرِفَةِ بِأَكْبَرِ الْمَخْلُوقَاتِ حَتَّى بِأَظْهَرِهَا، وَهُوَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، بَلْ لَا يَصِحُّ أَنْ يَعْرِفَ أَحَدٌ نَفْسَهُ وَذَاتَهُ أَلْبَتَّةَ. أهـ [7]
** الْفرق بَين الْعلم وَالْيَقِين:
قال العسكري: الْعلم هُوَ اعْتِقَاد الشَّيْء على مَا هُوَ بِهِ على سبل الثِّقَة وَالْيَقِين هُوَ سُكُون النَّفس وثلج الصَّدْر بِمَا علم وَلِهَذَا لَا يجوز أَن يُوصف الله تَعَالَى بِالْيَقِينِ وَيُقَال ثلج الْيَقِين وَبرد الْيَقِين وَلَا يُقَال ثلج الْعلم وَبرد الْعلم وَقيل الموقن الْعَالم بالشي بعد حيرة الشَّك وَالشَّاهِد أَنهم يجعلونه ضد اشك فَيَقُولُونَ شكّ ويقين وقلما
(1) - يونس: 45
(2) - يوسف: 58
(3) - البقرة: 146
(4) -البقرة: 89
(5) -النحل: 83
(6) -طه: 110
(7) - مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (3/ 314 - 316)