الصفحة 6 من 72

يُقَال شكّ وَعلم فاليقين مَا يزل الشَّك دون غَيره من أضداد الْعُلُوم وَالشَّاهِد قَول الشَّاعِر- من الطَّوِيل-:

بَكَى صَاحِبي لما رأى الدَّرْب دونه ... وأيقن أَنا لَاحقان بقيصرا

أَي أَزَال عَنهُ عِنْد ذَلِك، وَيُقَال: إِذا كَانَ الْيَقِين عِنْد الْمُصَلِّي أَنه صلى أَرْبعا فَلهُ أَن يسلم وَلَيْسَ يُرَاد بذلك أَنه إِذا كَانَ عَالما، لِأَن الْعلم لَا يُضَاف إِلَى مَا عِنْد أحد إِذا كَانَ الْمَعْلُوم فِي نَفسه على مَا علم وَإِنَّمَا يُضَاف اعْتِقَاد الْإِنْسَان الى مَا عِنْده سَوَاء كَانَ معتقدة على مَا اعتقده أَو لَا إِذا زَالَ بِهِ شكه وَسمي علمنَا يَقِينا لِأَن فِي وجوده ارْتِفَاع الشَّك أهـ [1]

= العلم الشرعي:

والذي يعنينا هو العلم الشرعي، والمراد به: (( علم ما أنزل الله على رسوله من البيانات والهدى ) )، فالعلم الذي فيه الثناء والمدح هو علم الوحي، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إِنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا إِنَّمَا وَرَّثُوا العِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِر ) ) [2] ومن المعلوم أن الذي ورَّثه الأنبياء إنما هو علم شريعة الله - عز وجل - وليس غيره، فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام ما ورثوا للناس علم الصناعات وما يتعلق بها، بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة وجد الناس يؤبرون النخل - أي يلقحونها - قال لهم لما رأى من تعبهم كلامًا يعني أنه لا حاجة إلى هذا، فتركوا التلقيح، َفخَرَجَ شِيصًا [3] ، فَمَرَّ بِهِمْ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «مَا لِنَخْلِكُمْ؟» قَالُوا: قُلْتَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ» [4]

ولو كان هذا هو العلم الذي عليه الثناء لكان الرسول صلى الله عليه وسلم أعلم الناس به، لأن أكثر من يثنى عليه بالعلم والعمل هو النبي صلى الله عليه وسلم.

إذن فالعلم الشرعي هو الذي يكون فيه الثناء ويكون الحمد لفاعله، ولكني مع ذلك لا أنكر أن يكون للعلوم الأخرى فائدة، ولكنها فائدة ذات حدين: إن أعانت على طاعة الله وعلى نصر دين الله وانتفع بها عباد الله، فيكون ذلك خيرًا ومصلحة، وقد يكون تعلمها واجبا في بعض الأحيان إذا كان ذلك داخلًا في قوله تعالي: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ َ} [5] .

(1) - الفروق اللغوية لأبي هلال الحسن العسكري ص:81

(2) - أبو داود (3642) والترمذي (2682) وأحمد (21715) وغيرهم. وصححه الألباني, وقال الأرنؤوط في تخريجه لمسند أحمد: حسن لغيره.

(3) - فخرج شيصًا: هو البسر الرديء الذي إذا يبس صار حشفا

(4) - رواه مسلم (2363)

(5) -سورةالأنفال: آية 60

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت