الصفحة 40 من 72

وينبغي أن يتذاكر مواظبو مجلس الشيخ ما وقع فيه من الفوائد والضوابط والقواعد وغير ذلك، وأن يعيدوا كلام الشيخ فيما بينهم فإن في المذاكرة نفعًا عظيمًا، وينبغي المذاكرة في ذلك عند القيام من مجلسه قبل تفرق أذهانهم وتشتت خواطرهم وشذوذ بعض ما سمعوه عن أفهامهم ثم يتذاكرونه في بعض الأوقات.

قال الخطيب: وأفضل المذاكرة مذاكرة الليل، وكان جماعة من السلف يبدؤون في المذاكرة من العشاء فربما لم يقوموا حتى يسمعوا أذان الصبح.

فإن لم يجد الطالب من يذاكره ذاكر نفسه بنفسه، وكرر معنى ما سمعه ولفظه على قلبه ليعلق ذلك على خاطره فإن تكرار المعنى على القلب كتكرار اللفظ على اللسان سواء بسواء، وقل أن يفلح من يقتصر على الفكر والتعقل بحضرة الشيخ خاصة ثم يتركه ويقوم ولا يعاوده.

السابع:

إذا حضر مجلس الشيخ سلم على الحاضرين بصوت يسمع جميعه - ويخص الشيخ بزيادة تحية وإكرام- وكذلك يسلم إذا انصرف.

وإذا سلم فلا يتخطى رقاب الحاضرين إلى قرب الشيخ من لم يكن منزلته كذلك، بل يجلس حيث انتهى به المجلس كما ورد في الحديث، فعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ:"كُنَّا إِذَا جِئْنَا إِلَيْهِ- يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- جَلَسَ أَحَدُنَا حَيْثُ يَنْتَهِي" [1] .أي حيث ينتهي به المجلس. وقال البخاري: بَابُ مَنْ قَعَدَ حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ المَجْلِسُ، وَمَنْ رَأَى فُرْجَةً فِي الحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا [2] .

فإن صرح له الشيخ والحاضرون بالتقدم أو كانت منزلته أو كان يعلم إيثار الشيخ والجماعة لذلك فلا بأس.

ولا يقيم أحدًا من مجلسه أو يزاحمه قصدًا، فإن آثره الغير بمجلسه لم يقبله إلا أن تكون في ذلك مصلحة يعرفها القوم وينتفعون بها من بحثه مع الشيخ لقربه منه أو لكونه كبير السن أو كثير الفضيلة والصلاح.

ولا ينبغي لأحد أن يؤثر بقربه من الشيخ ـ إلا لمن هو أولى بذلك لسنه أو علمه أو صلاحه بل يحرص على القرب من الشيخ ـ إذا لم يرتفع في المجلس على من هو أفضل منه.

وإن كان الشيخ في صدر مكان فأفضل الجماعة أحق بما على يمينه ويساره وإن كان على طرف صفة أو نحوها فالمبجلون مع الحائط أو مع طرفها قبالته.

وقد جرت العادة في مجالس التدريس بجلوس المتميز قبالة وجه المدرس أو

(1) - رواه أحمد في مسنده (20855) وأخرجه الطيالسي (780) ، والبخاري في"الأدب المفرد" (1141) ، وأبو داود (4825) ، والترمذي (2725) وحسنه الأرنؤؤط.

(2) - صحيح البخاري (1/ 24) وذكر فيه حديث (66) عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي المَسْجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ إِذْ أَقْبَلَ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَهَبَ وَاحِدٌ، قَالَ: فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا: فَرَأَى فُرْجَةً فِي الحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمَّا الآخَرُ: فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَلاَ أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلاَثَةِ؟ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللَّهِ فَآوَاهُ اللَّهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ»

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت