فهرس الكتاب
رحلتُ أطلبُ أصل العلمِ مجتهدًا *** وزينة المرءِ في الدنيا الأحاديثُ
لا يطلب العلم إلا باذلٌ ذكرٌ *** وليسَ يُبغضُهُ إلا المخانيثُ
لا تُعجَبَنَّ بمالٍ، سوف تتركُه *** فإنما هذه الدنيا مواريثُ
اعلم أنَّ علوم الإسلام العظيمة لم تُدَوَّن على ضفاف الأنهار، وتحت ظلال الأشجار والأثمار، وإنما دونت باللحم والدم، وظمأ الهواجر، وسهر الليالي على السراج الذي لا يكاد يضيء نفسه، وفي ظل العرى والجوع وبيع الثياب، وانقطاع النفقة في بلد الاغتراب، والرحلة المتواصلة الملاحقة، والمشاق الناصبة المتعانقة، والصبر على أهوال الأسفار، وملاقاة الخطوب والأخطار، والتيه في البيد، والغرق في البحار، ولفقد الكتب العزيزة الغالية والأسفار، وحلول الأمراض والأسقام، مع البعد عن الأهل والزوجة والأولاد والدار، ومع فرقة الأقارب والأحباب والأصحاب وفقد الاستقرار، فما أثر كل ذلك في أمانة علم أهلها، وما نقص من متانة دينهم، وما وهن من قوة شكيمتهم، وما خضعتهم الضائقة الخانقة مع قوتها إلى قبول الذل والهوان.
فيا طالب العلم ... اعلم هداني الله وإياك أنَّ من خطب الحسناء لم يُغله المهر، وأنت طالب لنعيم الآخرة فدونك رياحين الجنَّة، فلقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (( مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ ) ) [1]
قال ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ:"وأما سعادة العلم فلا يورثك إياها إلا بذل الوسع، وصدق الطلب، وصحة النية" [2]
فالمكارم منوطة بالمكاره، والسعادة لا يعبر إليها إلا على جسر المشقة، يقول الإمام مسلم في صحيحه: قال يحيى بن كثير: «لَا يُسْتَطَاعُ الْعِلْمُ بِرَاحَةِ الْجِسْمِ» [3]
وقد قيل: من طلب الراحة ترك الراحة.
حتى قال الإمام الشافعي ـ رحمه الله تعالى ـ:"حق على طلبة العلم بلوغ غاية جهدهم في الاستكثار منه، والصبر على كل عارض دون طلبه، وإخلاص النية لله تعالى في إدراكه نصًا واستنباطًا، والرغبة إلى الله تعالى في العون عليه".
ولذلك من تمثل سير سلفنا الصالح، ونظر في معاناتهم في طلب العلم هانت عليه كل شدة، واحتقر نفسه أمامهم، فقد كابدوا من الصعاب ما يفوق التخيل، وتركوا البلاد والأولاد وهجروا اللذات والشهوات، وجابوا مشارق الأرض ومغاربها سعيًا وراء حديث واحد، أو لقاء شيخ أو معرفة مسألة، فانظر إلى هؤلاء الأفذاذ كيف طلبوا العلم عساك تنتفع بذلك
(1) - رواه مسلم (2699) والترمذي (2646) وابن ماجة (225) وأحمد (7427) وغيرهم عن أبي هريرة .. وقد تقدم نحوه عن أبي الدرداء رضي الله عنه.
(2) - انظر كتابه (مفتاح دار السعادة) (1/ 108)
(3) - صحيح مسلم (612) وأخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (1/ 385 برقم 554) بلفظ: (لا ينال العلم براحة الجسد)