الصفحة 45 من 72

قيل للإمام أحمد: رجلٌ يطلب العلم يلزم رجلًا عنده علم كثير أو يرحل؟

قال: يرحلُ، يكتب عن علماء الأمصار، فيشامُّ النَّاس، ويتعلم منهم.

وقيل له مرةً: أيرحلُ الرجل في طلب العلم؟ فقال: بلى والله،

لقد كان علقمة بن قيس النخعي، والأسود بن يزيد النخعي، ـ وهما من أهل الكوفة بالعراق ـ يبلغهما الحديث عن عمر فلا يقنعهما حتى يخرجا إليه ـ إلى المدينة المنورة ـ فيسمعانه منه""

إنَّ شأن الرحلة قديم تليد، بداية من رحلة نبي الله موسى الكليم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم، وقد قصَّ الله خبر رحلته في القرآن الكريم، مع عبده الخضر عليه السلام وما كان في رحلته من العوائق والغرائب، فبقيت الرحلة سنة نبوية وشعار طلبة العلم إلى يوم الدين.

وهؤلاء صحابة الرسول منهم من قطع مئات الأميال ليلقاه ويتثبت من صدق نبوته، ومنهم من سافر إليه من البلاد البعيدة ليسأله عن مسألة وقعت له.

فهذا عقبة بن الحارث سافر من مكة إلى المدينة ليلقى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسأله عن مسألة رضاع وقعت له، فعن عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ، (( أَنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَةً لِأَبِي إِهَابِ بْنِ عُزَيْزٍ فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُ عُقْبَةَ وَالَّتِي تَزَوَّجَ، فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ: مَا أَعْلَمُ أَنَّكِ أَرْضَعْتِنِي، وَلاَ أَخْبَرْتِنِي، فَرَكِبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ» فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ، وَنَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ ) ) [1]

وهذا جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنه ـ رحل مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في حديث واحد، روى البخاري في الأدب المفرد أن جابر بن عبد الله قال: بلغني حديث عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فابتعت بعيرًا، فشددت إليه رحلي شهرًا، حتى قدمت الشام، فإذا عبد الله بن أنيس، فبعثت إليه أنَّ جابرًا بالباب فرجع الرسول فقال: جابر بن عبد الله!! فقلت: نعم. فخرج فاعتنقني، قلت: حديث بلغني لم أسمعه خشيت أن أموت أو تموت ... فذكر الحديث [2]

ورحل أحد الصحابة إلى آخر بمصر ليسأله عن حديث واحد ففي المسند عَنْ مَكْحُولٍ، أَنَّ عُقْبَةَ بن عامر - أَتَى مَسْلَمَةَ بْنَ مُخَلَّدٍ - وهو أمير على مصر-، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَوَّابِ شَيْءٌ، فَسَمِعَ صَوْتَهُ فَأَذِنَ لَهُ، فَقَالَ: إِنِّي لَمْ آتِكَ زَائِرًا، وَلَكِنِّي جِئْتُكَ لِحَاجَةٍ، أَتَذْكُرُ يَوْمَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"مَنْ عَلِمَ مِنْ أَخِيهِ سَيِّئَةً، فَسَتَرَهَا سَتَرَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟"فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: لِهَذَا جِئْتُ" [3] "

(1) - أخرجه البخاري (88) ك العلم، باب الرحلة في المسألة النازلة.

(2) - حديث صحيح أخرجه البخاري في الأدب المفرد (970) باب المعانقة.

(3) - رواه أحمد في مواضع منها (16596، 16960، 23185) وقصةُ الرحلة في طلب هذا الحديث رُويت بوجوه مختلفة، ففي الإسناد برقم (16960) - أن عقبة بن عامر هو الذي رحل إلى مسلمة بن مُخَلَّد، وعند الطبراني في"الأوسط" (8129) أن جابر بن عبد الله هو الذي رحلَ إلى مسلمة، وجاء في مسند عقبة في الرواية الآتية في المسند برقم (17454) أن أبا أيوب رحل إلى عقبة، وكذلك جاء في الرواية (17391) لكن فيها زيادة أنه أتى مسلمة بن مُخَلَّد، ثم ذهبا إلى عقبة، وأُبهم اسمُ الصحابي الذي رحل إلى عقبة عند الخطيب في"الرحلة" (35) . وأسانيد هذه الروايات كلها ضعيفة، لكن الحديث المرفوع صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت