وكان سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ: «إِنْ كُنْتُ لَأَسِيرُ اللَّيَالِيَ وَالْأَيَّامَ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ» [1]
** من نوادر الرحلات:
1 -ما صنعه هذا الإمام العظيم الحافظ أبو عبد الرحمن بقي بن مخلد الأندلسي ـ رحمه الله ـ (ت 276 هـ) ففي كتاب (سير أعلام النبلاء) أنه َنَقَلَ بَعْضُ العُلَمَاءِ مِنْ كِتَابٍ لِعبد الرحمن بنِ أَحْمَدَ بنِ بَقِيٍّ حَفِيْدِ بقي بن مخلد قال: سَمِعْتُ أَبِي يَقُوْلُ:
رَحَل أَبِي مِنْ مَكَّةَ إِلَى بَغْدَادَ، وَكَانَ رَجُلًا بُغْيَتُهُ مُلاَقَاةُ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ.
قَالَ: فَلَمَّا قَرُبْتُ بَلَغَتْنِي المِحْنَةُ، وَأَنَّهُ مَمْنُوْعٌ، فَاغتَمَمْتُ غَمًّا شَدِيْدًا، فَاحتَلَلْتُ بَغْدَادَ، وَاكتَرَيْتُ بَيْتًا فِي فُنْدُقٍ، ثُمَّ أَتَيْتُ الجَامِعَ وَأَنَا أُرِيْدُ أَنْ أَجْلِسَ إِلَى النَّاسِ، فدُفِعْتُ إِلَى حَلْقَةٍ نَبِيْلَةٍ، فَإِذَا بِرَجُلٍ يَتَكَلَّمُ فِي الرِّجَالِ، فَقِيْلَ لِي: هَذَا يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ.
فَفُرِجَتْ لِي فُرْجَةً، فَقُمْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا زَكَرِيَّا: - رَحِمَكَ اللهُ - رَجُلٌ غَرِيْبٌ نَاءٍ عَنْ وَطَنِهِ، يُحِبُّ السُّؤَالَ، فَلاَ تَسْتَجْفِنِي.
فَقَالَ: قُلْ.
فَسَأَلْتُ عَنْ بَعْضِ مَنْ لَقِيْتُهُ، فَبَعْضًا زَكَّى، وَبَعْضًا جَرَحَ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ هِشَامِ بنِ عَمَّارٍ.
فَقَالَ لِي: أَبُو الوَلِيْدِ، صَاحِبُ صَلاَةِ دِمَشْقَ، ثِقَةٌ، وَفَوْق الثِّقَةِ، لَوْ كَانَ تَحْتَ رِدَائِهِ كِبْرٌ، أَوْ مُتَقَلِّدًا كِبْرًا، مَا ضَرَّهُ شَيْئًا لِخَيْرِهِ وَفَضْلِهِ، فَصَاحَ أَصْحَابُ الحَلْقَةِ: يَكْفِيْكَ - رَحِمَكَ اللهُ - غَيْرُكَ لَهُ سُؤَالٌ.
فَقُلْتُ: وَأَنَا وَاقِفٌ عَلَى قَدَمٍ: اكشِفْ عَنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ: أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ، فَنَظَرَ إِليَّ كَالمُتَعَجِّبِ، فَقَالَ لِي: وَمِثْلُنَا، نَحْنُ نَكْشفُ عَنْ أَحْمَدَ؟! ذَاكَ إِمَامُ المُسْلِمِيْنَ، وَخَيْرُهُم وَفَاضِلُهُم.
فَخَرَجْتُ أَستَدِلُّ عَلَى مَنْزِلِ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ، فَدُلِلْتُ عَلَيْهِ، فَقَرَعْتُ بَابَهُ، فَخَرَجَ إِليَّ، فَقُلْتُ:
يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ رَجُلٌ غَرِيْبٌ، نَائِي الدَّارِ، هَذَا أَوَّلُ دُخُوْلِي هَذَا البَلَد، وَأَنَا طَالِبُ حَدِيْثٍ، وَمُقَيِّدُ سُنَّةٍ، وَلَمْ تَكُنْ رِحْلَتِي إِلاَّ إِلَيْكَ.
فَقَالَ: ادْخُلِ الأَصطوَانَ وَلاَ يَقَعُ عَلَيْكَ عَيْنٌ.
فَدَخَلْتُ، فَقَالَ لِي: وَأَيْنَ مَوْضِعُكَ؟
قُلْتُ: المَغْرِبُ الأَقْصَى.
فَقَالَ: إِفْرِيْقِيَّة؟
قُلْتُ: أَبْعَدُ مِنْ إِفْرِيْقِيَّةَ، أَجُوْزُ مِنْ بَلَدِي البَحْرَ إِلَى إِفْرِيْقِيَّةَ، بَلَدِي الأَنْدَلُسَ.
قَالَ: إِنَّ مَوْضِعَكَ لَبَعِيْدٌ، وَمَا كَانَ شَيْءٌ أَحَبُّ إليَّ مِنْ أَنْ أُحْسِنَ عَوْنَ مِثْلِكَ، غَيْرَ أَنِّي مُمْتَحَنٌ بِمَا لَعَلَّهُ قَدْ بَلَغَكَ.
(1) - المدخل إلى السنن الكبرى (1/ 277 رقم 401)