الصفحة 47 من 72

فَقُلْتُ: بَلَى، قَدْ بَلَغَنِي، وَهَذَا أَوَّلُ دُخُولِي، وَأَنَا مَجْهُوْلُ العَيْن عِنْدَكُم، فِإِنْ أَذِنْتَ لِي أَنْ آتِيَ كُلَّ يَوْمٍ فِي زَيِّ السُّؤَّالِ، فَأَقُولُ عِنْدَ البَابِ مَا يَقُوْلُهُ السُّؤَّالُ، فَتَخْرُجُ إِلى هَذَا المَوْضِعِ، فَلَو لَمْ تُحَدِّثْنِي كُلَّ يَوْمٍ إِلاَّ بِحَدِيْثٍ وَاحِدٍ، لَكَانَ لِي فِيْهِ كِفَايَةً.

فَقَالَ لِي: نَعَمْ، عَلَى شَرْطِ أَنْ لَا تَظْهَرَ فِي الخَلْقِ، وَلا عِنْدَ المُحَدِّثِيْنَ.

فَقُلْتُ: لَكَ شَرْطُكَ، فَكُنْتُ آخُذُ عَصًا بِيَدِي، وَأَلُفُّ رَأْسِي بِخِرْقَةٍ مُدَنَّسَةٍ، وَآتِي بَابَهُ فَأَصِيْحُ: الأَجْرَ - رَحِمَكَ اللهُ - وَالسُّؤَّالُ هُنَاكَ كَذَلِكَ، فَيَخْرُجُ إِليَّ، وَيُغْلِقُ، وَيُحَدِّثُنِي بِالحَدِيْثَيْنِ وَالثَّلاثَةِ وَالأَكْثَر، فَالْتَزَمْتُ ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ المُمْتَحِنُ لَهُ، وَوُلِّيَ بَعْدَهُ مَنْ كَانَ عَلَى مَذْهَبِ السُّنَّةِ، فَظَهَرَ أَحْمَدُ، وَعَلَتْ إِمَامَتُهُ، وَكَانَتْ تُضَرَبُ إِلَيْهِ آباطُ الإِبلِ، فَكَانَ يَعْرِفُ لِي حَقَّ صَبْرِي، فَكُنْتُ إِذَا أَتَيْتُ حَلْقَتَهُ فَسَحَ لِي، وَيَقُصُّ عَلَى أَصْحَابِ الحَدِيْثِ قِصَّتِي مَعَهُ، فَكَانَ يُنَاوِلُنِي الحَدِيْثَ مُنَاوَلَةً [1] ، وَيَقْرَؤُهُ عَلَيَّ، وَأَقرَؤُهُ عَلَيْهِ" [2] ."

فهذا خبر من أعجب ما تقرأ، فهذا العالم الأندلسي رحل من أقصى الغرب إلى أقصى الشرق على قدميه ليلقى الإمام أحمد، فلما وجده محبوسًا ممنوعًا عن الناس تلطف وتحيَّل حتى لقيه، فأخذ العلم عنه، وحفظ له الإمام أحمد صبره في الطلب وقربه منه.

2 -ما ذكره أصحاب التراجم والسير عن أبي حاتم محمد بن إدريس الرازي (ت 277 هـ) يقول: أحصيت ما مشيت على قدميَّ زيادة على ألف فرسخ [3] ، لم أزل أحصي حتى لما زاد على ألف فرسخ تركته، وأما ما سرت أنا من الكوفة إلى بغداد فما لا أحصي كم مرة، ومن مكة إلى المدينة مرات كثيرة، وخرجت من البحر من قرب مدينة سلا ـ وذلك في المغرب الأقصى ـ إلى مصر ماشيًا، ومن مصر إلى الرملة ماشيًا، ومن الرملة إلى بيت المقدس، ومن الرملة إلى عسقلان، ومن الرملة إلى طبرية، ومن طبرية إلى دمشق، ومن دمشق إلى حمص، ومن حمص إلى إنطاكية، ومن إنطاكية إلى طرسوس، ثمَّ رجعت من طرسوس إلى حمص، وكان بَقِي عليَّ شيء من حديث أبي اليمان فسمعته، ثمَّ خرجت من حمص إلى بيسان، ومن بيسان إلى الرقة، ومن الرقة ركبت الفرات إلى بغداد، وخرجت قبل خروجي إلى الشام من واسط إلى النيل، ومن النيل إلى الكوفي، كل ذلك ماشيًا، هذا سفري الأول وأنا ابن عشرين سنة، أجول سبع سنين، وخرجت المرة الثانية ـ وكان سني في هذه الرحلة 47 سنة ـ أهـ [4] .

(1) - المناولة: أن يعطي الشيخ الطالب أصل سماعه، أو فرعا مقابلا به، ويقول له: هذا سماعي عن فلان فاروه عني، أو: أجزت لك روايته عني، ثم يبقيه معه ملكا له، أو يعيره إياه لينسخه ويقابل به. أو يأتيه الطالب بكتاب من سماعه، فيتأمله، ثم يقول: ارو عني هذا. (انظر: الباعث الحثيث: 123، 124) .

(2) -سير أعلام النبلاء (13/ 249) ط الرسالة

(3) - الفرسخ نحو خمسة آلاف متر، فانظر كم قطع هذا الإمام من المسافات مشيًا على الأقدام.

(4) - انظر مقدمة الجرح والتعديل ص (359) وسير أعلام النبلاء (13/ 255 وما بعدها)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت