سابعًا: أن تعلمَ أنَّ الانصراف إلى الدُّنيا، وترْك تعلُّم العلْم الشرعي نوعٌ منَ الدنُو والنُّزول إلى السفْل:
فلقد وصَف الله - سبحانه - في كتابِه عبادَه في هذه الدُّنيا أتَمَّ وصْفٍ، فوَصَفَهُم - عز وجل - بالانخراط في الدُّنيا، وإهمال تعلُّم شرع الله، والعمل به؛ فقال - سبحانه: {بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ} [1] .
ففي أمور الآخرة القلوب منغمرة عنها، وأمَّا أعمال الدُّنيا الدَّنيَّة فهم لها عاملون.
3 - (من أهم أسباب ترْكِ طلَب العلم) : ما يُلاقيه بعضُ الطلبة من المشَقَّة في طلب العلم، سواء في ذلك المشَقَّة البدنيَّة، أو المشقة الذِّهنيَّة.
فالمشقة البدَنية كأن يكون مكانُ الدَّرس بعيدًا عنه جدًّا، فيشق عليه الذهاب إليه، وكأن يكون موعد الدرس غير مناسب له، فيكون مثلًا متأخرًا، ولو حضر الدرس لَم يجدْ مواصلة تعيده إلى بيته، أو أعادته إليه متأخرًا ... إلى غير ذلك من أنواع المشقات البدَنيَّة التي يُلاقيها طالب العلْم.
والمشَقَّة الذهنية كأن يكون عند الطالب صُعوبة في فهم مادة شرعية معيَّنة، وذلك كعِلم النحو الذي يُعاني مِن صعوبة فهْمه أكثرُ الطلبة.
وأنا أقول في الجواب عن هذا:
أولًا: لتعلم - أخي طالب العلم - أنَّ المشقَّة في تحصيل العلم هي أمْر كوني، وسُنة كونية لا بُدَّ منها، فطلَبُ العلم قرين المشقَّة، والمشقة قرينة طلب العلم، لا يفترقان أبدًا، فالقاعدةُ العريضةُ التي لا استثناء فيها: أنه لا يُستطاع العلم براحة الجسد، وأنَّ مَن طلَب العِلْم سهر الليالي، وأنَّ العلم لن يُعطيك بعضه حتى تعطيه كُلَّك، وأنَّ مَن طلَب الراحة بالعلم ترَك الراحة البدَنيَّة، وانظر إلى ما يلي من الآثار عن سلَفِنا الصالح في ذلك:
قال الأصمعي: مَن لَم يحتمل ذُل التعلُّم ساعة، بقِي في ذُلِّ الجهْل أبدًا.
وعن بعض السلَف قال: مَن لَم يصبرْ على ذُلِّ التعلُّم، بقي عمره في عماية الجهالة، ومَن صبر عليه آل أمرُه إلى عزِّ الدُّنيا والآخرة.
وَمَنْ لَمْ يَذُقْ مُرَّ التَّعَلُّمِ سَاعَةً *** تَجَرَّعَ ذُلَّ الجَهْلِ طُولَ حَيَاتِهِ
وقال أبو الفرج ابن الجوزي - رحمه الله تعالى: تأمَّلتُ عجبًا، وهو أن كلَّ شيء نفيس خطير يطول طريقه، ويكثر التعبُ في تحصيله، فإنَّ العلم لَمَّا كان أشرف الأشياء، لَم يحصل إلا بالتعَب، والسهر، والتكرار، وحجر اللذات والراحة، حتى قال
(1) - سورة المؤمنين: 63