الصفحة 68 من 72

بعض الفقهاء: بقيت سنين أشتهي الهريسة لا أقدر؛ لأن وقت بيعها وقت سماع الدرس؛ اهـ [1] .

وقد أحسن القائلُ في ذلك:

فَقُلْ لِمُرَجِّي مَعَالِي الأُمُورِ *** بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ رَجَوْتَ المُحَالاَ

وقد قيل: من طلب الراحة ترَك الراحة.

وقال الشاعر:

لاَ تَحْسَبِ المَجْدَ تَمْرًا أَنْتَ آكِلُهُ *** لَنْ تَبْلُغَ المَجْدَ حَتَّى تَلْعَقَ الصَّبْرَا

ولقد كان أهل العلم - رحمهم الله - تعالى - يلاقون المصاعب والشدائد في تحصيلهم للعلم، نصح الإمام ابن هشام النحوي - رحمه الله - صاحب كتاب"القطر"، و"المغني"وغيرهما - طلبة العلم بالصبر على مشاقِّ العلْم والتحصيل؛ إذ هو شرْط في نيْل المراد العزيز الغالي؛ فيقول:

وَمَنْ يَصْطَبِرْ لِلْعِلْمِ يَظْفَرْ بِنَيْلِهِ *** وَمَنْ يَخْطُبِ الحَسْنَاءَ يَصْبِرْ عَلَى الْبَذْلِ

وَمَنْ لَمْ يُذِلَّ النَّفْسَ فِي طَلَبِ العُلَى *** يَسِيرًا يَعِشْ دَهْرًا طَوِيلًا أَخَا ذُلِّ

فعليك يا طالب العلم أن تجِدَّ في التحصيل، فإنَّ الأمر كما قال ابن الجنيد: ما طلب أحدٌ شيئًا بجد وصدق إلا ناله، فإن لَم ينلْه كله نال بعضه.

ولقد كان العلامة محمود شكري الآلوسي البغدادي الحفيد يمتاز بالجد الشديد، والحِرْص على الوقت، فكان لا يثنيه عن دروسه حرارَّة القيظ، ولا يؤخِّره عنها قرْص برد الشتاء، وكثيرًا ما تعرَّض تلاميذه بسبب تأخُّرهم عن موعد الدرس إلى النقد والتعنيف.

قال عنه تلميذه العلامة بهجة الأثري: أذكر أنني انقطعتُ عن حضور درسه في يوم مزعج، شديد الريح، غزير المطر، كثير الوحل، ظنًّا منِّي أنَّه لا يحضر إلى المدرسة، فلمَّا شخصت في اليوم الثاني إلى الدرس، صار ينشد بلهجة غضبان:

وَلاَ خَيْرَ فِيمَنْ عَاقَهُ *** الحَرُّ وَالبَرْدُ

ثانيًا: لتعلم أخي طالب العلم أنه وبالرغم من هذه المرارة وهذا التعب الذي تجده في طلب العلم، إلا أنَّ الله - سبحانه - قد مزج هذه المرارة بحلاوة ولذَّة لا تجدها إلا في السَّعْي لطلَب العلم، واسْمع إلى ما يقولُه علماءُ السلَف - رحمهم الله - في ذلك:

قال ابن أبي حاتم: سمعتُ المزَنيّ يقول: قيل للشافعي: كيف شهوتك للعلم؟ قال: أسمع بالحرف - أي: بالكلمة - مما لَم أسمعه، فتودُّ أعضائي أنَّ لها أسماعًا تتنعم به ما تنعَّمت الأذنان.

فقيل له: كيف حِرْصك عليه؟

قال: حرصُ الجَمُوع المنوع في بلوغ لذته للمال. فقيل له: فكيف طلبك له؟

قال: طلب المرأة المضلَّة ولدها، ليس لها غيره.

(1) - صيد الخاطر ص 281

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت