أما الكتاب:
فقوله - جل شأنه: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَاتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) [1] .
وجه الدلالة:
دلت الآية الكريمة على تحريم وطء الحائض أثناء الحيض، فقد روي أن اليهود والمجوس كانوا يبالغون في التباعد عن المرأة حال حيضها، والنصارى كانوا يجامعوهن، ولا يبالون بالحيض، وأن أهل الجاهلية كانوا إذا حاضت المراة لم يؤاكلوها، ولم يشاربوها، ولم يجالسوها على فرش, ولم يساكنوها في بيت كفعل اليهود والمجوس, فلما نزلت هذه الآية أخذ المسلمون بظاهر الآية فأخرجوهن من بيوتهن, فقال ناس من الأعراب: «يا رسول الله البرد شديد، والثياب قليلة، فإن آثرناهن بالثياب هلك سائر أهل البيت، وإن استأثرناها هلكت الحيض» فقال - عليه الصلاة والسلام: «إنما أمرتكم أن تعتزلوا مجامعتهن إذا حضن، ولم آمركم بإخراجهن من البيوت كفعل الأعاجم» فلما سمع اليهود ذلك قالوا: «هذا الرجل يريد ألا يدع شيئًا من أمرنا إلا خالفنا فيه» .
وقال مجاهد: «إن العرب في المدينة, وما والاها كانوا يتجنبون النساء في الحيض، ويأتونهن في أدبارهن مدة زمن الحيض, فنزلت الآية الكريمة» .
وقال القرطبي: «قال علماؤنا: كانت اليهود والمجوس تجتنب الحائض, وكانت النصارى يجامعون الحائض، فأمر الله بالقصد بين هذين [2] .
وأما السنة:
فمنها:
1 -ما روي عن أنس [3] بن مالك - رضي الله عنه - أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم لم يؤاكلوها, ولم يجامعوها في البيوت, فسأل أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم- فأنزل الله - عز وجل: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ... ) . إلى آخر الآية, فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» [4] .
وجه الدلالة:
(1) سورة البقرة آية 222.
(2) التفسير الكبير للفخر الرازي ج 6 ص 54، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 3 ص 54.
(3) أنس بن مالك: هو أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن النجار راوية الإسلام، خادم رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وتلميذه وآخر أصحابه موتًا, روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم- علمًا جمًّا, ومسنده ألفان ومئتان وستة وثمانون حديث, توفي وعمره مائة وثلاث عشرة سنة, وقيل غير ذلك. سير أعلام النبلاء ج 3 ص 395، تهذيب التهذيب ج 1 ص 329.
(4) سنن أبي داود، كتاب الطهارة، باب في مؤاكلة الحائض ومجامعتها ج 1 ص 67 برقم 258.