الفصل الثاني
وفيه مبحثان:
المبحث الأول
حكم إتيان المرأة في الدبر (اللوطية [1] الصغرى) .
(1) اللواط لغة: لاط الحوض بالطين لوطًا: طينه، ولاط فلان بالحوض؛ أي: طلاه بالطين وملسه به، ولاط الرجل لواطًا ولاوط؛ أي: عمل عمل قوم لوط.
قال الليث: «لوط كان نبيًا بعثه الله إلى قومه فكذبوه, وأحدثوا ما أحدثوا, فاشتق الناس من اسمه فعلًا لمن فعل فعل قومه، «لسان العرب» ج 5 ص 536.
واصطلاحًا: هو إتيان الذكور في أدبارهم. تكملة المجموع ج 22 ص 60.
حكم اللواط: أجمع الفقهاء على تحريم اللواط, وأنه كبيرة من الكبائر لقوله تعالى: (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَاتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ) سورة الأعراف آية: 80.
قال النووي: فسماه فاحشة, والله يقول: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) سورة الأعراف من الآية 33.
ولأن الله تعالى قال: (أَتَاتُونَ الذِّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ* وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ) سورة الشعراء آية 165 - 166.
فوبخهم ربهم على ذلك وسماهم عادين؛ ولأن الله تعالى عاقب على هذا الفعل في الدنيا بما لم يعاقب على ذنب، قال تعالى: (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا) سورة هود من الآية 82.
وبعد إجماع الفقهاء على تحريم اللواط, فقد اختلفوا فيما يجب على من فعل ذلك, ولهم في ذلك ثلاث آراء:
الرأي الأول: ذهب أبو حنيفة إلى أنه يعزر المحصن وغيره ولا يحد؛ لأنه ليس زنا.
الرأي الثاني: ذهب أبو يوسف ومحمد - صاحبا أبا حنيفة - ومالك, والشافعي في أحد قوليه, وأحمد في رواية, والزيدية إلى أن الفاعل يرجم أحصن أو لم يحصن، وكذلك المفعول به، وبه قال عطاء, والنخعي, وابن المسيب, وغيرهم.
الرأي الثالث: ذهب الظاهرية إلى أن من فعل ذلك لا قتل عليه, ولا حد, وحكمه أنه أتى منكرًا, فالواجب أن يعزر فقط.
الأدلة: أولًا أدلة أصحاب الرأي الأول:
استدل أبو حنيفة على ما ذهب إليه من أن مقترف اللواط لا حد عليه بالآتي:
1 -... أن الوطء في الدبر ليس بزنا؛ لاختلاف الصحابة - رضي الله عنهم - في موجبه (من الإحراق بالنار للفاعل والمفعول, أو هدم الجدار عليهما, أو تنكيسهما من مكان مرتفع باتباع الأحجار, أو الحبس في أنتن المواضع حتى يموتا) .
2 -... أن اللواط هو الوطء في الدبر, أما الزنا فهو إتيان في القبل, واختلاف الأسامي دليل الاختلاف في المعاني, فوجب ألا يشتركا في حد.
3 -... أن اللواط ليس في معنى الزنا؛ لأنه ليس فيه إضاعة الولد, كما أن الزنا يؤدي إلى اختلاط الأنساب.
4 -... أن العقوبة تشرع دائمًا لما يغلب وجوده، والزنا وحده هو الغالب؛ لأن الشهوة المركبة في الرجل والمرأة تدعو إليه، أما اللواط فليس في طبيعة المحل ما يدعو إليه, كما أنه وطء في فرج لا يتعلق به إحلال ولا إحصان, ولا وجوب مهر, ولا ثبوت, نسب فلم يتعلق به حد.
ثانيًا: أدلة أصحاب الرأي الثاني:
استدل الجمهور على ما ذهبوا إليه من أن اللواط يوجب العقوبة وهو كالزنا بالآتي:
1 -... قوله تعالى: (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ) سورة الحجر من الآية 74.
فكان ذلك عقوبة لهم وجزاء على فعلهم, فإن قيل: لا حجة فيه لوجهين:
أحدهما: أن قوم لوط إنما عوقبوا على الكفر والتكذيب كسائر الأمم.
أجيب عن ذلك: بأن هذا غير صحيح؛ لأن الله تعالى أخبر عنهم أنهم كانوا على معاصي فأخذهم بها، منها هذه.
الثاني: أن صغيرهم وكبيرهم دخل فيها، فدل على خروجها من باب الحدود.
أجيب: بأنهم كان منهم فاعل, وكان منهم راضٍ، فعوقب الجميع لسكوت الجماهير عليه، وهي حكمة الله وسنته في عباده, وبقي أمر العقوبة على الفاعلين مستمرًا.
2 -... قوله تعالى: (إِنَّكُمْ لَتَاتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ) سورة العنكبوت من الآية 28.
وقوله تعالى: (وَاللاَّتِي يَاتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنْكُمْ) سورة النساء من الآية 15.
وقوله تعالى: (وَاللَّذَانَ يَاتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا) سورة النساء من الآية 16.
فإن القرآن الكريم قد سوى بين الزنا واللواط, وجعل الوطء في الدبر فاحشة, والوطء في القبل فاحشة, فسمى أحدهما بما سمى به الآخر.
3 -... ما روي عن أبي موسى الأشعري عن النبي - صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان، وإذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان) هذا الحديث في إسناده ضعف، (سنن البيهقي، كتاب الحدود، باب ما جاء في حد اللوطي ج 8 ص 233) ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط, فاقتلوا الفاعل والمفعول) (سنن البيهقي, كتاب الحدود, باب ما جاء في حد اللوطي ج 8 ص 233) .
وجه الدلالة من الحديثين:
أن الحديثان فيهما دلالة على وجوب العقوبة على اللوطي, لا فرق بين الفاعل والمفعول به, وأن العقوبة هي القتل.
4 -... أنه إيلاج فرج آدمي في فرج آدمي, لا ملك له فيه, ولا شبهة ملك, فكان زنا كالإيلاج في فرج المرأة؛ ولأنه فاحشة فكان زنا كالفاحشة بين الرجل والمرأة.
5 -... أن الصحابة - رضوان الله عليهم - اجمعوا على قتله, وإنما اختلفوا في صفة هذا القتل.
ثالثًا: أدلة أصحاب الرأي الثالث:
استدل الظاهرية على قولهم بأن اللواط لا يعتبر زنا, وإنما هو معصية توجب التعزيز بأنه لم يرد نص شرعي, ولا أثر صحيح يعطي اللواط حكم الزنا, ولا يوجب القتل على فاعل اللواط، وما ورد في ذلك لم يصح فيه شيء.
الرأي الراجح:
بعد عرض آراء الفقهاء وأدلتهم فإنه يبدو لي - والله أعلم - أن الرأي الراجح هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من أن من عمل عمل قوم لوط فقد جاء بما يوجب العقوبة, وأن هذا العمل كالزنا؛ وذلك لإجماع الصجابة على قتل الفاعل والمفعول, وإن اختلفوا في طريقته, وأنه من الكبائر، وذكر العيني أن العقوبة فيه قد تصل إلى القتل من باب السياسة، وقد ذكر الفخر الرازي قبح هذا العمل، وأن موجبات القبح فيه كثيرة منها: أن أكثر الناس يحترزون عن حصول الولد؛ لأن حصوله يحمل الإنسان على طلب المال, وإتعاب النفس في الكسب إلا أنه تعالى جعل الوقاع سببًا لحصول اللذة العظيمة، حتى أن الإنسان بطلب تلك اللذة يقدم على الوقاع، وحينئذ يحصل الولد شاء أم أبى، وبهذا الطريق يبقى النسل, ولا ينطقع النوع.
فإذا ثبت هذا فنقول: لو تمكن الإنسان من تحصيل تلك اللذة بطريق لا تفضي إلى الولد، لم تحصل الحكمة المطلوبة, ولأدى ذلك إلى انقطاع النسل، وذلك على خلاف حكم الله, فوجب الحكم بتحريمه قطعًا.
كما أن الذكورة مظنة الفعل، والأنوثة مظنة الانفعال، فإذا صار الذكر منفعلًا، والأنثى فاعلًا، كان ذلك على خلاف مقتضى الطبيعة, وعلى عكس الحكمة الإلهية.
وهب أن الفاعل يلتذ بذلك العمل، إلا أنه يبقى في إيجاب العار العظيم, والعيب الكامل بالمفعول على وجه لا يزول ذلك العيب عنه أبد الدهر.
وهذا العمل يوجب استحكام العداوة بين الفاعل والمفعول، وربما يؤدي ذلك إلى إقدام المفعول على قتل الفاعل؛ لأجل أنه ينفر طبعه عند رؤيته.
التفسير الكبير للفخر الرازي ج 14 ص 137 - 138 الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 7 ص 155، البناية ج 6 ص 258 وما بعدها، شرح الزرقاني ج 7 ص 75، تكملة المجموع ج 22 ص 61، المغني ج 12 ص 219 وما بعدها، المحلى ج 12 ص 396، البحر الزخار ج 6 ص 143، المختصر النافع ص 296.