الصفحة 9 من 50

دل الحديث على تحريم الوطء في الفرج حال الحيض, وإباحة ما دون ذلك من وجوه الاستمتاع, كالقبلة, أو المعانقة, أو اللمس, أو غير ذلك بعيدًا عن موضع الأذى، وبهذا يقف الإسلام موقفًا وسطًا بين المباعدة إلى حد الإخراج من البيوت, والإتيان المحرم.

2 -ما روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: «من أتى حائضًا, أو امرأة في دبرها, أو كاهنًا فصدقه, فقد برئ مما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم» [1] .

وجه الدلالة:

هذا الحديث الشريف فيه من التغليظ ما فيه على من أتى حائضًا, أو أتى امرأة في دبرها, أو صدق كاهنًا.

أما الإجماع:

فقد ثبت إجماع المسلمون والفقهاء على تحريم إتيان المرأة في قبلها أثناء الحيض [2] .

المبحث الثالث

مباشرة الحائض, وما يستباح منها

بعد أن اتفق الفقهاء على تحريم مباشرة المرأة في الفرج أثناء الحيض, فقد اتفقوا على جواز استمتاع الرجل بزوجته الحائض بما فوق المئذر؛ أي: ما فوق السرة ودون الركبة, ولكنهم اختلفوا فيما بين السرة والركبة, وما يلزم اجتنابه منها, ولهم في ذلك ثلاثة آراء:

الأول: ذهب الإمام أبو حنيفة, وأبو يوسف, ومالك, والشافعي في الجديد المنصوص عليه, وأحمد في رواية, والإمامية, والزيدية, والإباضية إلى أن للزوج من زوجته الحائض ما فوق الإزار, وليس له ما تحته, ولا يجوز المباشرة فيما بين السرة والركبة، وهو مروي عن عمر بن الخطاب وابن عباس [3] - رضي الله عنهم - والشعبي, وسعيد بن المسيب, والأوزاعي, والليث بن سعد.

الثاني: ذهب الإمام الشافعي في القديم من مذهبه وأصحابه في وجه لهم إلى أن على الزوج أن يجتنب موضع الدم من زوجته الحائض, ويجوز له مباشرة جميع بدنها عدا ذلك الموضع, وبه قال محمد بن الحسن, وأحمد بن حنبل في رواية, وداود, وسفيان الثوري [4] .

الثالث: ذهب أصحاب الشافعي إلى أنه إن وثق المباشر تحت الإزار بضبط نفسه عن الفرج؛ لضعف شهوة أو شدة ورع جاز، وإلا فلا, حكاه صاحب «الحاوي» ومتابعوه عن أبي الفياض البصري [5] .

سبب الخلاف:

يرجع سبب اختلاف الفقهاء إلى ظواهر الأحاديث الواردة في ذلك، والاحتمال الذي في مفهوم آية الحيض؛ وذلك أنه ورد في الأحاديث الصحاح عن عائشة وميمونة, وأم سلمة أنه -عليه الصلاة والسلام - كان يأمر إذا كانت إحداهن حائضًا أن تشد عليها إزارها, ثم يباشرها [6] وورد أيضًا من حديث ثابت بن قيس عن النبي - صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «اصنعوا كل شيء بالحائض إلا النكاح» [7] وذكر أبو داود

(1) الفتح الرباني, كتاب الحيض، باب الترهيب من وطء الحائض أيام حيضها ج 2 ص 155.

(2) التفسير الكبير للفخر الرازي ج 6 ص 54، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 3 ص 54، أحكام القرآن للجصاص ج 1 ص 377، البناية في شرح الهداية ج 1 ص 64، أسهل المدارك ج 1 ص 145، المجموع ج 2 ص 389، المغني ج 1 ص 461، المحلى بالآثار ج 1 ص 380، السيل الجرار ج 1 ص 146، شرح كتاب النيل ج 1 ص 348، فتاوى النساء لابن تيمية ص 24.

(3) أورد القرطبي رواية عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: «يجب أن يعتزل الرجل فراش زوجته إذا حاضت، وهذا قول شاذ، خارج عن قول العلماء, وإن كان عموم الآية يقتضيه, فالسنة الثابتة بخلافه» الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 3 ص 58.

(4) نفس المرجع السابق، أحكام القرآن للجصاص ج 1 ص 337، الهداية ج 1 ص 31، جواهر الإكليل شرح مختصر خليل ج 1 ص 31، المجموع ج 2 ص 359، المغني ج 1 ص 350، الشرح الكبير ج 1 ص 315، اللمعة الدمشقية ج 1 ص 109، المحلى ج 11 ص 300: 305، البحر الرخاء ج 1 ص 136، شرح كتاب النيل ج 1 ص 348.

(5) المجموع ج 2 ص 393.

(6) صحيح البخاري، كتاب الحيض، باب مباشرة الحائض ج 1 ص 78، سنن الترمذي، كتاب الطهارة، باب ما جاء في مباشرة الحائض ج 1 ص 239.

(7) سبق تخريجه ص 840.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت