المبحث الخامس
الحكم فيمن وطأ في الحيض عامدًا عالمًا بالتحريم
اختلف الفقهاء في الذي يأتي امرأته وهي حائض عامدًا عالمًا بالتحريم إلى رأيين:
الأول: ذهب الإمام أبو حنيفة, ومالك, والشافعي في الجديد, وأحمد في رواية, والظاهرية, والزيدية, والإباضية إلى أن من وطأ في الحيض عامدًا عالمًا بالتحريم, لا كفارة عليه, بل يعزر, وعليه التوبة والاستغفار, وهو مروي عن عطاء, والشعبي, ومكحول والزهري, وغيرهم.
الثاني: ذهب الشافعي في القديم [1] وأحمد في رواية ثانية إلى أنه إن فعله في أول الدم لزمه أن يتصدق بدينار [2] وإن فعله في آخره فنصف دينار, وهو ما ذهب إليه ابن عباس, وقتادة, والأوزاعي, وغيرهم [3] [4] .
سبب الخلاف
يرجع السبب إلى اختلافهم في صحة الأحاديث الواردة في ذلك، أو وهيها، وذلك أنه روي عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم- في الذي يأتي امرأته وهي حائض أنه يتصدق بدينار, وروي عنه بنصف دينار، وكذلك روي أيضًا في حديث ابن عباس هذا أنه «إن وطئ في الدم فعليه دينار, وإن وطئ في انقطاع الدم فنصف دينار» [5] .
وروي في هذا الحديث: (يتصدق بخمسي دينار) [6] وبه قال الأوزاعي، فمن صح عنده شيء من هذه الأحاديث صار إلى العمل بها, ومن لم يصح عنده شيء منها - وهم الجمهور - عمل على الأصل الذي هو سقوط الحكم حتى يثبت بدليل [7] .
الأدلة
أدلة أصحاب الرأي الأول:
استدل الإمام أبو حنيفة ومن وافقه على عدم وجوب الكفارة بالسنة, والمعقول:
أما السنة:
(1) (حكى المتولي والرافعي قولًا قديمًا شاذًا أن الكفارة الواجبة عتق رقبة بكل حال؛ لأنه روي ذلك عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وهذا شاذ مردود) . المجموع ج 2 ص 290.
(2) الدينار= 4.24 جرامًا من الذهب تقريبًا, كما ذكره بعض الباحثين, وهو وزن دينار عبد الملك بن مروان، وحدده بنك فيصل الإسلامي في السودان بـ 4.457 جرامًا.
(3) (ذهب الإمامية إلى أن الكفارة تجب احتياطًا لا وجوبًا) . اللمعة الدمشقية ج 1 ص 108.
(4) البناية ج 1 ص 641، حاشية الدسوقي ج 1 ص 173، المجموع ج 2 ص 359، المغني ج 6 ص 351، المحلى ج 11 ص 306، البحر الزخار ج 1 ص 137، شرح كتاب النيل جـ 1 ص 348.
(5) سنن أبي داود، كتاب الطهارة، باب في إتيان الحائض ج 1 ص 69.
(6) شرح بداية المجتهد ج 1 ص 133.
(7) الفتح الرباني كتاب الحيض، باب موانع الحيض وما تقضي الحائض من العبادات ج 2 ص 153.