المبحث الرابع
إتيان الحائض بعد انقطاع الدم قبل الغسل
لا خلاف بين الفقهاء فيما إذا انقطع دم الحائض, واغتسلت الغسل المعهود في الجنابة جاز لزوجها أن يطأها في الفرج.
ولكنهم اختلفوا فيما إذا لم تغتسل بعد أن انقطع دمها, هل يحل لزوجها أن يطأها أم لا؟ إلى ثلاثة آراء:
الرأي الأول: ذهب أبو حنيفة وأصحابه - عدا زفر - إلى أنه إذا انقطع دم الحائض لأكثر الحيض - وهو عشرة أيام عنده - حل الوطء في الحال، وإن انقطع لأقله - وهو عنده ثلاثة أيام - لم يحل حتى تغتسل أو تتيمم، فإن تيممت, ولم تصلِ لم يحل الوطء حتى يمضي وقت الصلاة.
الرأي الثاني: ذهب جمهور الفقهاء من المالكية [1] والشافعية, والحنابلة, والزيدية إلى أنه لا يجوز وطء الحائض إذا انقطع دمها إلا بعد أن تغتسل من الحيض, وبه قال عطاء ومجاهد [2] وسليمان بن يسار, والزهري, والثوري, والليث, وغيرهم [3] .
الرأي الثالث: ذهب ابن حزم الظاهري إلى أن الزوجة تحل لزوجها بعد انقطاع دم الحيض عنها إذا غسلت جميع بدنها بالماء, أو توضأت, أو تيممت إن كان هناك مبيح للتيمم، أو غسلت فرجها بالماء، وبقوله في غسل الفرج قال الأوزاعي [4] .
سبب الخلاف:
يرجع سبب اختلاف الفقهاء إلى الاحتمال الذي في قوله تعالى: (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَاتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ) هل المراد به الطهر الذي هو انقطاع دم الحيض أم الطهر بالماء؟.
ثم إن كان الطهر بالماء، فهل المراد به طهر جميع الجسد, أم طهر الفرج؟ فإن الطهر في كلام العرب، وعرف الشرع اسم مشترك يقال على هذه المعاني الثلاثة، وقد رجح الجمهور مذهبهم بأن صيغة التفعل إنما تنطلق على ما يكون من فعل المكلفين، لا على ما يكون من فعل غيرهم، فيكون قوله تعالى: (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ)
(1) (حكى ابن بكير عن صاحب الإكليل من المالكية, وهو محمد بن يوسف الشهير بالمواق أن المرأة إذا رأت النقاء من دم الحيض, فإنه يجوز لزوجها أن يطأها في فرجها, حتى ولو لم تغتسل؛ لأنها بذلك تكون قد طهرت من الحيض, وأن علة التحريم قد زالت, والمعروف أن الحكم إذا كان مرتبطًا بعلة فإنه يجب أن يزول بزوال العلة) . التاج والإكليل لمختصر خليل ج 1 ص 374.
(2) قال ابن المنذر: (روينا بإسناد فيه مقال عن طاوس, وعطاء, ومجاهد أنهم قالوا: «إن أدرك الزوج الشبق أمرها أن تتوضأ, ثم أصابها إن شاء» ثم قال ابن المنذر: وأصح من هذا عن عطاء ومجاهد موافقة القول الأول وهو قول الجمهور) .البناية ج 1 ص 653، المجموع ج 2 ص 397.
(3) البناية ج 1 ص 653، أسهل المدارك ج 1 ص 146، شرح بداية المجتهد ج 1 ص 130، المجموع ج 2 ص 397، الشرح الكبير على المغني ج 1 ص 316، الإنصاف ج 1 ص 350، 351، السيل الجرار ج 1 ص 147، الروض النضير ج 1 ص 256.
(4) المحلى بالآثار ج 1 ص 391.