أظهر في معنى الغسل بالماء منه في الطهر الذي هو انقطاع الدم، والأظهر يجب المصير إليه حتى يدل الدليل على خلافه، ورجح أبو حنيفة مذهبه بأن لفظ (يفعلن) في قوله تعالى: (حَتَّى يَطْهُرْنَ) هو أظهر في الطهر الذي هو انقطاع دم الحيض منه في التطهير بالماء، والمسألة كما ترى محتملة [1] .
الأدلة
أدلة أصحاب الرأي الأول:
استدل الحنفية على ما ذهبوا إليه بالكتاب, والمعقول.
أما الكتاب:
فقوله تعالى: (وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) .
وجه الدلالة:
أن الله - سبحانه وتعالى - نهى عن قربانهن, وجعل غاية ذلك النهي أن يطهرن بمعنى ينقطع حيضهن, وإذا كان انقطاع الحيض غاية لهذا النهي وجب ألا يبقى هذا النهي عند انقطاع الحيض [2] .
كما أن معنى الآية: الغاية في الشرط هو المذكور في الغاية قبلها, فيكون قوله تعالى: (حَتَّى يَطْهُرْنَ) مخففًا هو بمعنى قوله: (يَطْهُرْنَ) مشددًا بعينه، ولكنه جمع بين اللغتين في الآية كما في قوله تعالى: (فِيهِ رِجَالٌ يُّحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) [3] .
وأيضًا:
فإن القراءتين كالآيتين, فيجب أن يعمل بهما, ونحن نحمل كل واحدة منهما على معنى, فنحمل المخففة على ما إذا انقطع دمها للأقل، فإنا لا نجوز وطأها حتى تغتسل؛ لأنه لا يؤمن من عوده، ونحمل القراءة الأخرى - المشددة - على ما إذا انقطع دمها للأكثر, فيجوز وطؤها وإن لم تغتسل, قال ابن العربي «وهذا أقوى ما لهم» [4] .
أما المعقول: فمن ثلاثة وجوه:
الأول: أنه يجوز الصوم والطلاق بعد انقطاع الحيض, وقبل الاغتسال, فكذلك الوطء.
الثاني: أن تحريم الوطء هو للحيض, وقد زال, وصارت كالجنب.
الثالث: أن وجوب الغسل لا يمنع الوطء كالجنابة [5] .
(1) شرح بداية المجتهد ج 1 ص 130، 131.
(2) التفسير الكبير للفخر الرازي ج 6 ص 59.
(3) سورة التوبة من الآية 108.
(4) أحكام القرآن للجصاص ج 1 ص 412، 413، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 3 ص:60.
(5) المجموع ج 2 ص 397، 398، الشرح الكبير مطبوع مع المغني ج 1 ص 419.