أدلة أصحاب الرأي الثاني:
استدل جمهور الفقهاء على ما ذهبوا إليه بالكتاب, والمعقول.
أما الكتاب:
فقوله تعالى: (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَاتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ) .
وجه الدلالة:
استدل الشافعي والجمهور بالآية من وجهين:
الأول: أن القراءة المتواترة حجة بالإجماع، فإذا حصلت قراءتان متواترتان, وأمكن الجمع بينهما، وجب الجمع بينهما.
إذا ثبت هذا فنقول: «قرئ (حَتَّى يَطْهُرْنَ) بالتخفيف وبالتثقيل.
(يطهرن) بالتخفيف عبارة عن انقطاع الدم.
وبالتثقيل: عبارة عن التطهر بالماء.
والجمع بين الأمرين ممكن، فوجب دلالة هذه الآية على وجوب الأمرين, وإذا كان ذلك, فوجب ألا تنتهي هذه الحرمة إلا عند حصول الأمرين [1] .
الثاني: أن الإباحة معلقة بشرطين:
أحدهما: انقطاع دمهن.
والثاني: تطهرهن, وهو اغتسالهن.
وما علق بشرطين لا يباح بأحدهما، كما قال الله تعالى: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) [2] .
فعلق الحكم وهو جواز دفع المال على شرطين:
أحدهما: بلوغ المكلف النكاح.
والثاني: إيناس الرشد [3] .
وكذلك قوله تعالى في المطلقة: (فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) [4] فشرط الأمرين في إحلالها للأول, فلا تحل له بأحدهما.
(1) التفسير الكبير للفخر الرازي ج 6 ص 59.
(2) سورة النساء من الآية 6.
(3) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 3 ص 59، المجموع ج 2 ص 398.
(4) سورة البقرة من الآية 230.