بسم الله الرحمن الرحيم
(( {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} البقرة 281
الحمد لله رب العالمين نستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا , من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له , ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ونشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله - صلى الله عليه وسلم - {شهادة تنجي صاحبها يوم القيامة , بلغ الرسالة وأدى ألأمانة ونصح ألأمة وجاهد في الله حق جهاده فأوصل كلمة ألإسلام وخبر دين ألإسلام إلى العالم المعروف آنذاك , فوصلت رسالته إلى آسيا متمثلة في دولة الفرس , وإلى أوربا متمثلة بدولة الرومان , وإلى أفريقيا متمثلة بمصر العربية والحبشة , عندما قال للجميع كلمته العظيمة التي لا تزال تدوي في أذن الزمن وستبقى إلى ماشاء الله سبحانه (أسلم تسلم) وعندما لم يستجيبوا لدعوته الكريمة العظيمة حقق الله سبحانه ذلك بسيوف المؤمنين حيث سقطت دولة الفرس ودولة الرومان إلى ألأبد ولن تقوم لهما دولة كما كانتا مصداقًا لرسالته} - صلى الله عليه وسلم - إليهم حيث لم يسلموا بعد أن رفضوا ألإسلام.
الحمد لله الذي جعل التقوى خير زاد فقال سبحانه (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ. البقرة 197) والقائل سبحانه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ آل عمران 102) وقرن سبحانه التقوى بكل عمل يقوم به المسلم في حياته من عبادات ومعاملات.
يقول ألأعشى:
إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ... لموت من قد تزود ا
ندمت على أن لاتكون كمثله ... وأنك لم ترصد كما كان أرصدا
أما التقوى لغة: فهي مأخوذة من الوقاية وما يحمي به ألإنسان نفسه.
والتقوى إصطلاحًا: أن تجعل ما بينك وبين ما حرم ألله حاجبًا وحاجزًا
عرف علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - التقوى فقال: هي الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والقناعة بالقليل والإستعداد ليوم الرحيل. يقول الدكتور ناصر الحق في مقالة له بعنوان
(التقوى طريق الله في الحياة ألإنسانية) : (التقوى هي الزاد الدائم للإنسان في الحياة وهي قمة المكارم ألأخلاقية والفضائل الحسنة ألتي يتصف بها ألإنسان , لإنه من خلالها تتشعب جميع الصفات المحمودة. فهذه الفضيلة أراد بها الله تعالى في القرآن أن تحكم علاقة ألإنسان بهذا الوجود وما فيه, وبين ألإنسان وخالقه لذلك تدور هذه الكلمة ومشتقاتها في أكثر آيات القرآن ألأخلاقية والإجتماعية والمراد بها: أن يتقي ألإنسان ما يغضب ربه , وما فيه ضرر لنفسه أو إضرار لغيره) . فالتقوى هي جعل النفس في وقاية , أي أن يجدك الله في مواضع الطاعة له ويفتقدك في كل مواضع المعصية له.
فالمتقون هم أهل الفضائل كما يصفهم بذلك أمير المومنين علي بن أبي طالب - عليه السلام - يسعون لكسب مرضاة ألله وتجنب سخطه في الدنيا وألآخرة لما فيه مصلحة للإنسان والإنسانية.
ولقد عني القرآن الكريم بالتقوى عناية كبرى , وأكثر من توجيه النفوس إليها. وكانت له في ذلك أساليب مختلفة فالقرآن أمر بالتقوى لله (ياأيها الذين آمنوا إتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) آل عمران 102. وذلك يكون بالتوجه إلى الله وحده في العبادة , وإجتناب ما يأباه من الشرك والخروج عن شرائعه وأحكامه العادلة. ووصف القرآن الكريم التقوى: بأنها صيانة للنفس عن كل ما يضر ويؤذي وألإبتعاد عن كل ما يحول بين ألإنسان وبين الغايات النبيلة التي بها كماله في جسمه وروحه , ولهذا وصف الله المتقين بأنهم تحلوا بالفضائل الإنسانية الحقة , حيث يقول تعالى: (( لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَاسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَاسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ البقرة 177. ولا تقتصر التقوى في القرآن الكريم على هذه الصفات بل يضاف إليها الصفات التالية: فالعدل من التقوى (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللّهَ