فهرس الكتاب
الله عليه قفلًا إن شاء أن يفتحني فتحني لإعطائكم وقسم أرزاقكم وإن شاء أن يقفلني عليها أقفلني". (39) "
وهذه الرواية التي رواها ابن عبد ربه في العقد الفريد ـ إن صحت ـ لا يمكن بناء حكم شرعي عليها، فليست هي من اجتهاد الفقهاء، أو أحكامهم عدا أن تكون من النصوص الشرعية بل هي مخالفة لقواعد الشريعة الإسلامية ولذلك لا يعتد بها، لكن القائلين بـ"دينية"الدولة الإسلامية يعتمدون على مثل هذه الأقوال وغيرها من الأقوال والتصرفات لبعض الولاة والخلفاء والسلاطين والحكام المسلمين ليؤكدوا مقولتهم أن الدولة الإسلامية دولة دينية، وأن لدعوة لها في هذا العصر إنما هي دعوة للعودة إلى سيطرة رجال الدين وتحكمهم في شئون الأمة.
والدارس للتاريخ الإسلامي يجد أن"رجال"علماء الدين المسلمين، كانوا هم الذين يقفون أمام استبداد الحكام وتسلطهم وإعطاء أنفسهم مكانة غير التي وضعهم الإسلام فيها، والتاريخ ملئ بالأحداث والروايات التي تشير إلى ذلك.
ومن هنا يمكننا التقرير أن النظام السياسي الإسلامي لم يشهد فكرة الدولة الدينية في أي مرحلة من مراحله بل جاءت الأدلة لتؤكد على أن الطاعة المطلقة هي لما أمر الله سبحانه وتعالى به ثم لما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، أما طاعة للنظام السياسي (الحاكم) أو (ولي الأمر) فهي موقوفة على طاعة الله ورسوله، أي أنها ليست مطلقة، ولو كانت سلطة النظام"دينية"مطلقة لما جاز تقييدها ولأصبحت كطاعة الله ورسوله و هذا ما لم يقل به أحد من السلف أو الخلف إلإ من شذ، ممن لا يعتدّ برأيه.
قال تعالى"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا" (40)
قال القرطبي في تفسير هذه الآية"وأما طاعة السلطان فتجب فيما كان لله فيه طاعة، ولا تجب فيما كان لله فيه معصية، ولذلك قلنا: إن ولاة زماننا لا تجوز طاعتهم ولا معاونتهم ولا تعظيمهم، ويجب الغزو معهم متى غزوا، والحكم من قبلهم وتولية الإمامة والحسبة وإقامة ذلك على وجه الشريعة. وإن صلوا بنا وكانوا فَسَقَه من جهة المعاصي جازت الصلاة معهم وإن كانوا مبتدعة لم تجز الصلاة معهم إلا أن يُخافوا فيصلى معهم تقية وتعاد الصلاة. قلت: روي عن علي بن أبي طالب رضي عنه أنه قال: حق على الإمام أن يحكم بالعدل، ويؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك وجب على المسلمين أن يطيعوه لأن الله تعالى أمرنا بأداء الأمانة والعدل، ثم أمر بطاعته، وقال"