فهرس الكتاب
وحتى لو صحت فإنها لا تدل على مفهوم الدولة الدينية، فالقول أن السلطان ظل الله في الأرض لا يعني أن السلطان أو الحاكم يحكم نيابة عن الله سبحانه وتعالى (كما هي في النظام الثيوقراطي) ، بل إن الحديث يشير إلى غير ذلك إذ يحدد دور الحاكم (السلطان) بالعدل (فإن عدل كان له الأجر) ، بل حمله وزر الظلم (فإن خان أو ظلم، كان عليه الوزر) . وهذا مناف لنظرية الحكم الإلهي إذ لو كان الحاكم (السلطان) نائبًا أو مفوضًا من الله لما أمكن محاسبته على الظلم أو الجور أو الخيانة، فإنه -وفقًا لهذه النظرية- معصوم عن الخطأ ولا تجب مسائلته!!
وهنا يمكننا القول إن الباحثين عن النصوص الشرعية من مصادرها الأصلية (الكتاب والسنة) لن يجدوا ما يسعفهم للقول بأن الدولة الإسلامية دولة دينية ولذا عمدوا إلى التاريخ يبحثون عن ما يحقق مبتغاهم، فتجاوزوا أوائل الصحابة والتابعين التي تشير إلى أن الدولة الإسلامية هي دولة مدنية إسلامية. فقد تجاوزوا حادثة اختيار الخليفة الأول أبو بكر الصديق عندما ناداه الصحابة ساعة مبايعته بقولهم (يا خليفة الله) فقال (بل أنا خليفة رسول الله) فقطع بذلك فكرة النظام السياسي الديني في الإسلام، فهو خليفة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم -في حياته- بدورين: دور الرسالة ودور القيادة، وبعد وفاته عليه الصلاة والسلام انقطع دور الرسالة، بكل ما تضمنته من الوحي والتصويب من الله للرسول صلى الله عليه وسلم، وعصمته عليه الصلاة والسلام، وبقي دور القيادة (الحكم) التي ليس لها من تلك (الضمانات) شيء فهي قابلة للصواب، والخطأ والمحاسبة والإحسان، والشورى والمشاركة، وغيرها من ضوابط القيادة السياسية التي تشترك فيها مع أي قيادة بشرية.
إن مثل هذه الروايات ـ التي تثبت مدنية الدولة ـ كثيرة في تاريخ المسلمين، إلا أنه الرافضين لفكرة النظام السياسي الإسلامي بحثوا في النصوص التاريخية التي تخدم مطلبهم مثل أقوال بعض المسلمين في مرحلة تاريخية معينة، كقال بعض فقهاء الشام في عهد الأمويين"إن الإمام تجب طاعته في كل شيء، وأن الله إذا استخلف إمامًا تقبل منه الحسنات، وتجاوز له عن السيئات". وقولهم"إن طاعة الخلفاء جائزة في معصية الله". (36)
على الرغم من أن ذلك مخالف لنص شرعي بقوله عليه الصلاة والسلام"لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق". (37)
بل تجاوز الأمر إلى حد تعظيم الخلفاء والملوك وإنزالهم منزلة القدسية، قال الإمام مالك (دخلت على المنصور العباسي والهاشميون يقبلون يده ورجله، فعصمني الله من ذلك".(38) "
وقول المنصور ذاته بمكة حين دخلها"أيه الناس إنما أنا سلطان الله في أرضه، أسوسكم بتوفيقه وتسديده وتأييده، وحارسه على ماله، أعمل فيه بمشيئته وإرادته، وأعطيه بإذنه فقد جعلني"