فهرس الكتاب
كما أن الباحث في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم يرى أنه كان يمارس الدور السياسي المدني بكافة صوره وأشكاله وهو النبي الذي يوحى إليه من ربه، ومع ذلك كان يشاور الصحابة رضوان الله عليه جميعًا وكان يقول لصاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما"لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما فيه" (44) .
وينزل في موقعة بدر فيقول له أحد صحابته وهو الحباب بن المنذر، رضي الله عنه:"أهو منزل أنزلك الله إياه أم هو الرأي والمكيدة؟ فيقول بل هو الرأي والحرب والمكيدة"ثم ينزل على ما رآه الصحابي". (45) ."
ويقبل برأي الصحابة في حفر الخندق، بل كان يقول"أنتم أدرى بشؤون دنياكم" (46) .
ولو كان الأمر منصوص عليه في لما استشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، والتزم بما يراه، لكنه كان يُعَلِم أمته أن الشأن الدنيوي هو شأن عام يديره الناس وفقًا للقواعد العامة في الإسلام، ولما فيه تحقيق المصلحة العليا للمسلمين.
وإذا كان هذا فعله وهو النبي صلى الله عليه وسلم، فإن من جاء بعده لا يملك سلطة"دينية"يمارسها على المسلمين، بل هو فعل بشري أو"مدني"قابل للخطأ والصواب، وهو اجتهاد بشري يحتاج إلى من يراقبه ويوجهه حتى يحقق الغرض منه.
وقد كان هذا الأمر واضحًا جليًا لدى الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم إذا كانوا يؤكدون على أن طاعتهم إنما هي فيما وافق شرع الله، ولذا كانت أو خطبة في الخلافة الراشدة محددة لهذا المعنى حين قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه في حطبته المشهورة"أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم".
بل إن أول حادثة وقعت في الخلافة الراشدة والتي حددت مسار النظام السياسي الإسلامي بينت ذلك حين أطلق بعض الصحابة على الخليفة الأول، لقب"خليفة الله"فاستنكر أبو بكر ذلك وقال"بل خليفة رسول الله"للدلالة على أنه لا يملك سلطة"إلهية"بل هي خلافة من رسول الله في جانب إدارة شؤون الأمة.
واليوم حين يزعم الزاعمون أن النظام السياسي الإسلامي نظام"إلهي""ثيوقراطي"أو"ديني"فإنما يجهلون حقائق الإسلام ودلالات النصوص.
وإذا كانت النصوص تؤكد فكرة عدم"دينية"الدولة بالمفهوم الغربي، فإن ممارسة الدولة كنظام سياسي تؤكد ذلك، فقد شهدت الدولة الإسلامية منذ عصر النبوة تعاملات وعلاقات داخل الدولة مع مواطنيها من غير المسلمين، بل إن أول نظام (دستوري) تم في الإسلام كان مع بداية